
الخامسة للأنباء - غزة
بعد كل ما جرى لم يعد السؤال الفلسطيني الأكثر الحاحاً هو من انتصر ومن خسر؟ ومن كان على حق ومن أخطأ؟
السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم هو أكثر صعوبة وأهمية:
هل سنعيد إنتاج النظام السياسي الذي أوصلنا إلى هذا الواقع أم نمتلك الشجاعة لبناء نظام سياسي مختلف؟
لقد دفع اهلنا ثمناً هائلاً للانقسام وللصراع على السلطة ولغياب القواعد التي تحكم العلاقة بين القوى السياسية. وكانت النتيجة أن أصبح الوطن في كثير من الأحيان أصغر من خلافات فصائله وأصبحت المؤسسات أضعف من التنظيمات وتحولت السياسة من وسيلة لحماية المشروع الوطني إلى ساحة للصراع عليه.
ولا أعتقد أن شعباً دفع كل هذا الثمن يمكن أن يقبل بالعودة إلى النقطة ذاتها.
نحن مقبلون على انتخابات وأتمنى بوضوح ألا يكون هناك قرار بتأجيلها.
فالانتخابات ليست مناسبة بروتوكولية وليست مجرد عملية لاختيار أشخاص أو قوائم. إنها الاختبار الحقيقي لجدية أي حديث عن الديمقراطية وهي الوسيلة السلمية التي يمنح الشعب من خلالها الشرعية لمن يريد أن يمثله ويحاسبه ويستبدله عندما يرى أن الوقت قد حان.
ولهذا فإن احترام موعد الانتخابات لا يقل أهمية عن احترام نتائجها.
إذا أردنا أن نبدأ مرحلة فلسطينية جديدة فلا يمكن أن تبدأ بتأجيل الاستحقاق الديمقراطي ولا يمكن أن تنتهي بتجاهل إرادة الناخبين.
لكن إجراء الانتخابات مهما كان مهماً لن يكون كافياً وحده.
فالمشكلة ليست في أن لدينا فصائل متعددة. التعددية السياسية ليست مرضاً يحتاج إلى علاج. الاختلاف ليس انقساماً ووجود فتح وحماس والجهاد والقوى الأخرى والمستقلين لا يمثل بحد ذاته أزمة.
الأزمة تبدأ عندما يعتقد أي فصيل أن فوزه يمنحه الحق في امتلاك الدولة.
وهنا يجب أن تكون القاعدة واضحة للجميع
الفصيل يستطيع أن يفوز بالحكم لكنه لا يملك الدولة.
من يفوز في الانتخابات يفوز بتفويض مؤقت لإدارة الشأن العام وليس بملكية الوطن.
الدولة ليست جائزة للفائز.
كما ان أجهزتها الأمنية ليست ملكاً للحزب الحاكم.
القضاء ليس تابع لفصيل.
المال العام ليس موردا تنظيمياً.
الوظيفة العامة ليست مكافأة للموالين.
والمؤسسات الوطنية ليست ساحات لتوزيع النفوذ.
الدولة ملك للمواطنين جميعاً
ومن هنا فإن الحديث عن الوحدة الوطنية يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
الوحدة ليست أن نتفق جميعاً وليست أن نجلس حول طاولة واحدة لالتقاط صورة مشتركة.
الوحدة هي أن نختلف دون أن نتقاتل.
أن نتنافس دون أن نلغي بعضنا.
أن يفوز طرف دون أن يخاف من الآخر.
وأن يخسر طرف دون أن يشعر أن الوطن قد أصبح ملكً لخصمه.
الشراكة الوطنية أيضًا ليست شعاراً نرفعه عندما نحتاج إليه ثم نتخلى عنه عندما تتغير موازين القوة.
الشراكة ممارسة
ومعنى الشراكة أن يكون لكل فلسطيني الحق في المشاركة السياسية وأن تكون صناديق الاقتراع هي الحكم بين البرامج وأن تكون المؤسسات هي المرجعية وأن يكون القانون فوق الأشخاص والتنظيمات.
وإذا كانت الانتخابات تعطي حزباً أو فصيلاً حق تشكيل السلطة فإنها لا تمنحه الحق في احتكار الوطن.
هذه النقطة تحديداً يجب أن تصبح جزءاً من الثقافة السياسية الفلسطينية الجديدة.
لقد جربنا منطق «نحن أصحاب الشرعية وحدنا».
وجربنا منطق «نحن أصحاب القوة».
وجربنا الإقصاء والانقسام والمحاصصة والتسويات المؤقتة التي لم تعالج جذور الأزمة.
والنتيجة أمامنا.
ضياع اجيال كاملة … وطن مدمر بالكامل … علاقات دولية في اسوء اوضاعها
لذلك لا أعتقد أن الحل يكمن في استبدال هيمنة فصيل بهيمنة فصيل آخر.
المطلوب ليس تغيير الحاكم فقط بل تغيير قواعد الحكم.
نحتاج إلى نظام سياسي تكون فيه المؤسسات أقوى من الأشخاص والقانون أقوى من التنظيم والانتخابات أقوى من السلاح والمواطن أقوى من الفصيل.
نحتاج إلى دولة يستطيع فيها الفصيل أن يفوز بالحكم لكنه يعرف منذ اللحظة الأولى أن الحكم تفويض وليس ملكية وأن السلطة مؤقتة وأن الشعب يستطيع استردادها بالطريقة ذاتها التي منحها بها.
ونحتاج، في المقابل إلى معارضة تفهم أن خسارة الانتخابات ليست خسارة للوطن وأن وجودها خارج السلطة لا يعني إقصاءها من الحياة السياسية.
هذه هي الديمقراطية التي نحتاجها.
أما المصالحة فلا ينبغي أن تكون مجرد اتفاق بين قيادات الفصائل على تقاسم المواقع.
المصالحة الحقيقية هي أن نتفق على قواعد تمنع تكرار الماضي.
أن نتفق على أن الدم الفلسطيني لا يمكن أن يكون أداة في الصراع السياسي.
أن نتفق على أن السلاح لا يصنع شرعية.
أن نتفق على أن نتائج الانتخابات تُحترم.
وأن نتفق على أن الخلافات السياسية تُحل بالحوار والقانون وصندوق الاقتراع لا بالقوة.
وأن نتفق اخيراً على أن فلسطين أكبر من فتح وأكبر من حماس وأكبر من أي تنظيم أو قائد .
نحن بحاجة إلى أن نخرج من منطق الفصائل إلى منطق الدولة.
ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.
ومن منطق «من يحكم؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحكم؟
فالخطر الحقيقي ليس أن يفوز هذا الفصيل أو ذاك.
الخطر أن يفوز أي فصيل ثم يعتقد أن الدولة أصبحت ملكا له ولعشيرته يفعل ما يشاء في الوقت الذي يشاء.
والأمل الحقيقي ليس أن يخسر طرف ويكسب آخر.
الأمل أن نصل إلى لحظة يصبح فيها فوز أي طرف مقبولاً لأن الجميع يعرف أن هناك قانوناً يحميه ومؤسسات تضبطه وانتخابات تستطيع محاسبته وشعباً يملك الكلمة الأخيرة.
لقد خسر شعبنا ما يكفي.
ولا يجوز أن نورث أبناءنا صراعاتنا القديمة ثم نطلب منهم أن يدفعوا ثمنها مرة أخرى.
ربما تكون الانتخابات القادمة مجرد استحقاق سياسي في نظر البعض.
لكنها يمكن أن تكون أكثر من ذلك بكثير.
يمكن أن تكون بداية لمرحلة جديدة مرحلة نثبت فيها أن الاختلاف يمكن أن يكون قوة وأن التعددية يمكن أن تكون مصدراً للوحدة وأن التداول السلمي للسلطة ممكن وأن الدولة يمكن أن تكون أكبر من الفصائل وأن المواطن يمكن أن يستعيد مكانه في قلب السياسة الفلسطينية.
نحن لا نحتاج إلى فصيل ينتصر على فلسطين.
نحتاج إلى نظام تنتصر فيه فلسطين على خلافات فصائلها.
الفصيل يستطيع أن يفوز بالحكم… لكنه لا يملك الدولة.
الدولة ملك لشعبها والشرعية ملك للناخب وفلسطين ملك لكل أبنائها.





