المصلحة الوطنية الفلسطينية تقتضي تأجيل الانتخابات

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: احمد عيسى
لم تعد الانتخابات الفلسطينية العامة مجرد استحقاق دستوري لتجديد شرعية المؤسسات القائمة، فقد تغيرت البيئة الفلسطينية والإقليمية بصورة جوهرية، وأصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: متى تجري الانتخابات؟ بل: أي نظام سياسي فلسطيني ستمنحه هذه الانتخابات الشرعية؟
ففي غزة يجري بحث ترتيبات جديدة تقوم على إنهاء الحرب، ونزع سلاح حماس، وإدارة فلسطينية انتقالية، وإعادة الإعمار، وترتيبات أمنية إقليمية ودولية. والأهم أن ذلك يجري في وقت بدأ يتشكل فيه نظام إقليمي جديد تتنافس عليه السعودية وتركيا وباكستان ومصر وقطر والإمارات وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي يجعل إجراء الانتخابات في موعدها الحالي سابقًا لأوانه.
لذلك، فالمصلحة الفلسطينية تقتضي تأجيل الانتخابات العامة، ولكن ليس إلغاءها أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى، وإنما تأجيلها لفترة انتقالية محددة تُستخدم لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، ثم إجراء انتخابات شاملة تمنحه شرعيته الشعبية.
غزة قبل الانتخابات
التطور الأهم هو أن غزة تتجه، إذا نجحت الترتيبات الحالية، إلى مرحلة سياسية مختلفة جذريًا. فالمسألة لم تعد فقط إنهاء الحرب، وإنما تحديد من يحكم القطاع وكيف يُعاد بناء مؤسساته الأمنية والسياسية.
وتدور الترتيبات المطروحة حول نزع سلاح حماس، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، وإدارة فلسطينية انتقالية، وإعادة إعمار، مع ترتيبات أمنية دولية وإقليمية.
حماس: من قوة مسلحة إلى فاعل سياسي
إذا خرجت حماس من الإدارة المباشرة لغزة ومن امتلاك قوة عسكرية مستقلة، مع احتفاظها بحقها في العمل السياسي، فإنها تنتقل من حركة مسلحة حاكمة إلى حركة سياسية داخل نظام فلسطيني جديد موحد.
أما إجراء الانتخابات قبل حسم هذه المسألة، فقد يعيد إنتاج تجربة 2006، أي انقسام سياسي وجغرافي.
لذلك، ينبغي أن تسبق الانتخابات عملية إعادة تنظيم للنظام الأمني والسياسي، لا أن تُحال هذه العملية إلى ما بعد الانتخابات.
السلطة: إعادة بناء لا مجرد تجديد الشرعية
تأجيل الانتخابات لا ينبغي أن يكون وسيلة لحماية السلطة الحالية أو لإطالة عمر القيادة القائمة. فالسلطة نفسها تحتاج إلى إصلاح عميق.
ينبغي أن تُستخدم المرحلة الانتقالية لإعادة بناء المؤسسات، وإصلاح النظام الانتخابي، وتعزيز الفصل بين السلطات، وإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، وتوحيد المؤسسات بين غزة والضفة، وتوسيع المشاركة السياسية.
وبذلك لا يكون الهدف حماية السلطة القائمة، بل حماية مؤسسة السلطة الفلسطينية وإعادة تأسيسها.
دحلان: جزء من الانتقال وليس بالضرورة بديلًا
في هذا السياق، يبرز محمد دحلان باعتباره أحد الفاعلين المحتملين في المرحلة الانتقالية.
فقنواته مع الإمارات ومصر والولايات المتحدة وإسرائيل وأطراف أخرى، وشبكاته السياسية والأمنية، يمكن أن تجعله عنصرًا في إعادة بناء غزة. لكن اختزال المسألة في سؤال «هل سيحكم دحلان غزة؟» يضيّق الصورة.
والأرجح أن أهميته، إذا حصل له دور، ستكون في إدارة أو دعم مرحلة الانتقال من غزة التي حكمتها حماس إلى نظام فلسطيني جديد. أما موقعه النهائي في النظام الفلسطيني، فينبغي أن يحدده الفلسطينيون عبر صناديق الاقتراع.
السعودية وتركيا وقطر ومصر والإمارات وإيران
لا يمكن فصل مستقبل النظام الفلسطيني عن التحول الإقليمي الذي بدأت ملامحه تتشكل، وتتنافس عليه قوى إقليمية مختلفة.
ومحور السعودية وتركيا وباكستان، أطراف اتفاقية مكة، يمتلك الثقل العربي والإسلامي والقدرة المالية والسياسية والعسكرية، ويرى أن من مصلحته أن يتحول ملف غزة من مصدر دائم للصراع إلى جزء من نظام إقليمي أكثر استقرارًا، ضمن حل سياسي يوصل الفلسطينيين إلى تقرير المصير وتحقيق الدولة.
ولدى تركيا تأثير على حماس، ويمكنها أن تلعب دورًا في انتقال الحركة من القوة المسلحة إلى العمل السياسي، مستندةً إلى تجربة النموذج التركي في دمج قوى الإسلام السياسي في النظام السياسي.
أما قطر، فلها وظيفة مختلفة؛ فهي قناة أساسية للتواصل مع حماس والوساطة معها، ولذلك قد تساعد في تحقيق الانتقال السياسي.
ومن جهتها، لا يمكن تجاوز مصر بسبب حدودها مع غزة وخبرتها الطويلة في التعامل مع حماس وإسرائيل والسلطة، وهي الطرف الأكثر قدرة على الربط بين غزة والضفة وبين الأطراف العربية والإقليمية.
أما الإمارات، فعلى الرغم من علاقاتها مع إسرائيل وبقائها في مربع الإبراهيمية وخروجها من منظومة مكة، فإنها تستطيع أن تكون مؤثرة في المرحلة الانتقالية من خلال التمويل وإعادة الإعمار وعلاقاتها السياسية، ومنها علاقتها بدحلان.
وبالتالي، فإن هذه الدول لا تشكل بالضرورة معسكرًا واحدًا، لكنها قد تتقاطع مصالحها في إعادة بناء غزة وإنتاج نظام فلسطيني جديد.
ومن جهتها، لا تعارض إيران بناء نظام سياسي فلسطيني جديد، الأمر الذي يبدو واضحًا في قرار حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني المشاركة في الانتخابات، علاوة على أنها تتفق مع أطراف اتفاق مكة على ضرورة بناء نظام إقليمي لا تكون إسرائيل محوره.
الولايات المتحدة وإسرائيل
تحاول الولايات المتحدة جمع هذه المسارات ضمن إطار واحد يضمن إنهاء الحرب ويمنع عودة حماس كقوة عسكرية، وفي الوقت نفسه إقامة نظام فلسطيني قادر على إدارة غزة.
أما إسرائيل، فستظل طرفًا حاسمًا؛ لأنها تريد ضمانات أمنية تمنع عودة التهديد العسكري، بينما تريد الأطراف العربية والإسلامية أن يقترن نزع السلاح بالانسحاب وإعادة الإعمار والمسار السياسي، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة عملية إقليمية ودولية، وليست شأنًا فلسطينيًا داخليًا فقط.
لماذا التأجيل؟
إذا جرت الانتخابات الآن، فقد تنتج مجلسًا تشريعيًا قبل أن تتحدد طبيعة النظام الذي سيعمل داخله.
أما إذا أُجلت الانتخابات لفترة انتقالية محددة، فيمكن أن يكون التسلسل على النحو الآتي:
إنهاء الحرب، نزع السلاح وإعادة تنظيم الأمن، إدارة انتقالية في غزة، انسحاب إسرائيلي، إعادة الإعمار، إصلاح السلطة وتوحيد المؤسسات، تحديد قواعد النظام السياسي، ثم إجراء انتخابات عامة شاملة.
عندها تصبح الانتخابات نتيجة لعملية إعادة بناء النظام الفلسطيني، لا محاولة لبنائه من خلال صندوق الاقتراع وحده.
في الختام
أرى أن المصلحة الفلسطينية لا تقتضي رفض الانتخابات، بل تقتضي عدم إجراء انتخابات قبل اتضاح النظام السياسي والأمني الجديد في غزة والعلاقة بين غزة والضفة.
فالهدف ينبغي ألا يكون إعادة إنتاج الثنائية القديمة: حماس في غزة والسلطة في رام الله، بل الانتقال إلى معادلة جديدة: حماس حركة سياسية منزوعة السلاح، وغزة والضفة ضمن نظام واحد، وسلطة فلسطينية مُجددة، وقوى سياسية جديدة تشارك جميعها في انتخابات شاملة.
وعندها تصبح الانتخابات لحظة تأسيس حقيقية، لا مجرد تجديد لشرعية نظام تطالب الغالبية العظمى من الفلسطينيين بتغييره.
لذلك، فإن تأجيل الانتخابات، إذا كان مؤقتًا ومشروطًا ومربوطًا بخارطة طريق لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لا يكون في هذه المرحلة تراجعًا عن الديمقراطية، بل الطريق الأكثر واقعية لإنقاذها.
أما إذا كان هناك رفض لتأجيل الانتخابات من قبل قوى دولية وإقليمية، ولم تعارض هذه القوى في الوقت نفسه تشكيل تحالف بين دحلان وتياره مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي، فهذا يعني أن مقاولة بناء النظام الفلسطيني الجديد قد رست على دحلان وشركائه! الأمر الذي لن ينتج نظامًا فلسطينيًا مستقرًا، ويؤسس لفصل غزة عن الضفة الغربية لفترة طويلة قادمة، وستكون السلطة الفلسطينية بذلك هي أكبر الخاسرين.





