مقالات الخامسة

تحولات في السياسة الفلسطينية

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب – مهند عبد الحميد
عندما تكون فلسطين هي العنصر الأضعف في الحرب فهذا يستدعي البحث عن تقوية الذات والحضور الفاعل بمستوى الدعم السياسي والمعنوي العالمي الكبير.
ما هو حال الذات الفلسطينية؟ هل تستجيب باتجاه إنقاذ الوضع والاستقواء بالدعم والتعاطف.
ومن جهة أخرى ما هو حال دولة الاحتلال التي تقبض على ملايين الفلسطينيين وتخوض حرب إبادة وتطهير عرقي ضدهم وما آلت إليه حروبها الإقليمية.
في هذا الصدد يقول هشام العلوي الباحث المغربي في موقع «جدلية»: تهيمن إسرائيل قسراً على سائر دول الشرق الأوسط بعد أن حيدت إيران، – وبقيت تركيا استثناءً -،  وذلك بفضل تفوقها العسكري التكنولوجي والدعم الأميركي غير المشروط.
ولا توجد اليوم دولة في المنطقة قادرة على التصدي بفعالية لسياسة التوسع الإسرائيلية، القيود الوحيدة المفروضة على قوتها هي القيود – التكتيكية – الأميركية.  وقد بددت الحرب على إيران كل وهم بإمكان ضمان السلام في غزة، ويستمر التعامل مع خطة ترامب كغطاء لإطالة أمد الاحتلال الإسرائيلي لجزء أساسي من القطاع في الوقت الذي تُسرع فيه إسرائيل مشروعها الاستعماري في الضفة الغربية عبر إجراءات – ضم الأرض وتهجير السكان وتصفية حلم الدولة الفلسطينية نهائيا -».
مقابل ذلك، إسرائيل تخسر عالمياً لكن خسائرها لا تتحول إلى مكاسب فلسطينية، لا يزال الدعم والتأييد والتعاطف الأخلاقي والإنساني والاعتراف من أكثرية دولية ساحقة بالدولة الفلسطينية، كل هذا الدعم أقرب إلى المواقف المبدئية والرمزية، ولم يصب في رصيد الخلاص الفلسطيني من الاحتلال، بل لم يستطع وقف نزيف الدم في غزة ولا وقف جرائم المستوطنين في الضفة ولا الإفراج عن أموال الضرائب الفلسطينية. ومن المرجح استمرار هذا الوضع في غياب حضور فلسطيني سياسي أكثري يحمل برنامجاً مقبولاً دولياً، كما يقول حازم صاغية في صحيفة الشرق الأوسط.
في كل يوم يمر يزداد القتل والهدم ويتمدد الاحتلال في قطاع غزة ليصل إلى 70% وتُجمد خطة ترامب، وأحيل وضع غزة المأساوي إلى هامش الاهتمام الدولي والإقليمي وكأنها نسي منسي.
وتزداد استباحة الضفة الغربية، وما يعنيه ذلك من تحكم واستفراد إسرائيلي بالوضع الفلسطيني والمضي في فرض الحل الفاشي للصراع الذي يشطب الحقوق الفلسطينية المدنية والوطنية والإنسانية على حد سواء.
الردود والاستجابات الفلسطينية لا تزال تراوح دون المستوى الضروري المطلوب، وثمة استجابات في الاتجاه المعاكس.
يقول عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية مروان عبد العال في بوابة «الهدف»: «الأساس في أي مشروع وطني هو وحدة الهدف كشرط ضروري قبل وحدة الفصائل، والهدف الجامع هو التحرر الكامل».
ويرى أن فلسطين ليست ملفاً تفاوضياً بل بؤرة صراع تاريخي لا يحسم إلا بزوال المشروع الاستعماري نفسه. وكان قد بدأ حديثه بأن الجبهة الشعبية حافظت على مقاومتها لكل أشكال التسوية الانتقاصية.
بيت القصيد هو انقسام التنظيمات السياسية حول الهدف المشترك، وبعبارة أخرى الحل الذي تقبل به أكثرية الشعب الفلسطيني للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. دورات المجالس الوطنية السابقة أقرت ما يسمى البرنامج المرحلي وهو إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 من خلال تسوية سياسية، وقد عبرت قرارات المجالس الوطنية المتعاقبة عن موافقة مواربة على الحل الدولي للصراع. لكن دورة المجلس الوطني رقم 19 العام 1988 التي عقدت إبان الانتفاضة الوطنية الكبرى، أزالت بقراراتها المواربة ووافق المجلس الوطني على الحل الدولي الذي يستند لقرار التقسيم وقرارات الشرعية الدولية بما في ذلك قرار 242 التي تدعم حق تقرير المصير في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وحل قضية اللاجئين استناداً لتك القرارات.  حدث ذلك بإجماع المجلس الوطني مع تحفظ البعض على القرار 242.
ثم جاء اتفاق أوسلو الذي اعترف بإسرائيل والذي وافق عليه المجلس الوطني في الدورة 21 المنعقدة في غزة ووافق على إلغاء المواد التي تتعارض مع الرسائل المتبادلة بين «م.ت.ف» وحكومة إسرائيل من الميثاق الوطني.
وانتخب ياسر عرفات رئيساً وانتخب المجلس التشريعي بالاستناد إلى اتفاق أوسلو الذي اعتبر الخطوة الأولى في الطريق إلى الحل الدولي للصراع.
ما تقدم يؤكد تحولاً واقعياً عقلانياً في التفكير السياسي الفلسطيني كان حصيلة تجربة نضالية طويلة منفتحة على أكثرية دول العالم التي دعمت حق الشعب الفلسطيني في التحرر وتقرير المصير، تجربة فيها إخفاقات وانسدادات وتضحيات وفيها نجاحات وإنجازات سياسية مهمة.
كان التحول إيذاناً بالانتقال من اليوتوبيا والحلم إلى الواقع والممكن.
لكن هذه الفترة لم تعمر طويلاً وقد فشلت بتضافر جهود 3 أقطاب من مواقع مختلفة لكنها اتفقت على إفشال الحل والانتقال إلى صراع مفتوح 1- اليمين القومي الإسرائيلي بزعامة نتنياهو الذي صعد للحكم بعد اغتيال رابين وهو لا يعترف بأي حقوق للشعب الفلسطيني، وقد أطلق العنان للاستيطان والمستوطنين. وهو يشرح موقفه في كتاب: «مكان تحت الشمس».
2- العمليات الاستشهادية التي دبرتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي ضد أهداف مدنية في العمق الإسرائيلي، المدعومة من محور المقاومة والممانعة على قاعدة الالتقاء بين عقيدة الولي الفقيه الإيرانية التي أحيت فكرة هزيمة وإزالة إسرائيل كحل للصراع، وبين عقيدة الإخوان المسلمين التي اعتبرت فلسطين من النهر إلى البحر أرض وقف إسلامي والصراع مع إسرائيل مفتوح إلى يوم الدين.
3- تخاذل الراعي الأميركي للعملية السياسية وانحيازه السافر لإسرائيل.
انتكس التحول الواقعي بعد مفاوضات كامب ديفيد 2000، وتحول المزاج ضد الحل السياسي، وساد خطاب شعبوي عنوانه الخلاص عبر المقاومة المسلحة وقد لعبت فضائية الجزيرة في إيصاله إلى كل بيت.  في غياب النقد العميق للأحداث أصبحت المشكلة في فكرة ومبدأ الحل السياسي للصراع وبخاصة بعد إحالة كل إخفاق وسلب وفساد إلى قبول فكرة الحل دون النظر إلى مصالح الأطراف التي أفشلته من جهة ولا إلى دور الأطراف التي لم تدافع عن المغزى العميق للحل، والأهم دون تقديم رؤية لحل آخر.
انحازت الأكثرية وبخاصة في صفوف الأجيال الشابة بما في ذلك قواعد فتح لخيار المقاومة المسلحة.
ومن المفارقات الشائكة أن حكومة نتنياهو اتبعت سياسة تقوية حماس وإضعاف السلطة والمنظمة، وكانت نقطة الالتقاء إفشال الحل السياسي.
جاء الامتحان بعد هجوم 7 أكتوبر والرد عليه بحرب إبادة أصبحت نتائجها الكارثية واضحة بالوقائع والأرقام ونصوص خطة ترامب التي وقعت عليها حركة حماس والتي يمكن اختصارها بنزع السلاح وخروج حماس من الحكم، وفرض وصاية عبر مجلس السلام الذي يقوده ترامب، وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
ما أود قوله هنا، إن التنظيمات والنخب الداعمة والمشاركة في المقاومة التي عددت آثام أوسلو وحاربته لم تتوقف عند النتائج الكارثية للمقاومة المسلحة، ولم تدع إلى عمل كل ما من شأنه إيقاف النزيف ونزع الذرائع التي يستخدمها الحكم الكاهاني في حرب الإبادة والتطهير العرقي .. للحديث بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى