
الخامسة للأنباء - غزة
ثلاث سنوات مرت منذ السابع من أكتوبر 2023، لكن غزة لم تخرج من آثار ذلك اليوم. تحولت الحرب إلى واقع يومي يطارد الفلسطينيين في بيوتهم ومخيماتهم ومراكز النزوح.
وخلال هذه السنوات، لم تكن الخسائر مجرد أرقام في بيانات متتالية. أكثر من 71 ألف فلسطيني فقدوا حياتهم، وأصيب أكثر من 171 ألفًا، وفق تقديرات أممية صدرت بعد عامين من الحرب.
وتعرضت مئات الآلاف من المنازل والمنشآت للدمار أو الأضرار، فيما اضطر نحو 1.9 مليون فلسطيني إلى النزوح من أماكن سكنهم. كثيرون منهم نزحوا مرات متكررة، بحثًا عن مكان أقل خطرًا.
وأظهرت التقييمات الدولية أن أكثر من 1.2 مليون شخص فقدوا منازلهم. كما تجاوزت قيمة الأضرار المادية المباشرة 35.2 مليار دولار، بينما وصلت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية إلى نحو 22.7 مليار دولار.
وتحتاج غزة إلى نحو 71.4 مليار دولار للتعافي وإعادة الإعمار خلال عشر سنوات. لكن هذه الأرقام لا تستطيع وحدها وصف حجم الخسارة، لأن وراء كل منزل مدمر عائلة فقدت مكانها وذكرياتها وحياتها اليومية.
7 أكتوبر 2023.. صباح لم تعرف غزة أنه سيكون بداية ثلاث سنوات
في صباح السابع من أكتوبر 2023، دخل قطاع غزة مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، ومع مرور الساعات، اتسعت دائرة القصف على مناطق مختلفة من القطاع، وبدأت ملامح حرب واسعة تتشكل أمام السكان.
لم يكن أحد يدرك أن ذلك اليوم سيكون بداية لسنوات طويلة من الموت والدمار والنزوح.
وفي الساعات الأولى، اعتقد كثير من الفلسطينيين أن ما يحدث قد يكون جولة عسكرية قاسية وتنتهي خلال أيام، كما حدث في مواجهات سابقة. لكن القصف تصاعد سريعًا.
شيئًا فشيئًا، بدأ السكان يدركون أن المشهد مختلف هذه المرة. خرجت عائلات من منازلها وهي تحمل أطفالها وبعض الملابس والأوراق الرسمية والأدوية. من دون أن تعرف إلى أين ستذهب أو متى ستتمكن من العودة.
في المستشفيات، بدأت أعداد المصابين تتزايد بسرعة. امتلأت أقسام الطوارئ، وبدأت الطواقم الطبية تعمل لساعات طويلة وسط نقص متزايد في الأدوية والمستلزمات والوقود.
الأيام الأولى.. عندما أصبح البيت مكانًا غير آمن
لم يعد المنزل في الأيام الأولى يعني الأمان بالنسبة إلى آلاف العائلات. القصف طال مناطق سكنية متعددة، وأصبح السكان يعيشون تحت الخوف من سقوط صاروخ أو انهيار مبنى في أي لحظة.
كانت العائلات تبحث عن أقاربها بعد كل غارة. بعضهم كان يتوجه إلى المستشفيات، بينما كان آخرون يحاولون الوصول إلى أماكن يعتقدون أنها أكثر أمانًا.
ومع اتساع القصف، بدأت موجات النزوح الأولى. تحولت المدارس والمساجد وبعض المستشفيات إلى أماكن مؤقتة للنازحين، رغم أنها لم تكن مجهزة لاستقبال هذا العدد الكبير من الناس.
وبحلول منتصف أكتوبر، كان نحو مليون فلسطيني قد اضطروا إلى ترك أماكن سكنهم. كثير منهم لم يحملوا سوى ما استطاعوا وضعه في حقيبة صغيرة، بينما ترك آخرون كل شيء خلفهم.
الحصار.. عندما أصبح الماء والكهرباء والوقود جزءًا من البقاء
لم تقتصر الحرب على القصف والدمار. فقد دخل قطاع غزة في أزمة حادة مع تراجع إمدادات الكهرباء والوقود والمياه، وأصبحت هذه الموارد جزءًا أساسيًا من معركة البقاء اليومية.
توقفت خدمات كثيرة أو تراجعت قدرتها على العمل. المستشفيات احتاجت إلى الوقود لتشغيل المولدات، وسيارات الإسعاف احتاجت إليه للوصول إلى المصابين.
أما السكان، فبدأوا بتقليل استهلاك المياه إلى الحد الأدنى. اضطرت عائلات إلى تخزين ما تستطيع الحصول عليه، بينما أصبحت طوابير الحصول على المياه مشهدًا يوميًا في مناطق النزوح.
ومع مرور الوقت، لم يعد نقص المياه مشكلة تتعلق بالراحة. أصبح مرتبطًا بالنظافة والصحة وانتشار الأمراض، خصوصًا في المخيمات ومراكز الإيواء المكتظة.
13 أكتوبر.. أمر الإخلاء وبداية النزوح الكبير
في 13 أكتوبر 2023، صدر أمر بإخلاء مناطق شمال قطاع غزة. وجد مئات الآلاف أنفسهم أمام قرار صعب، بين البقاء في منازلهم وسط القصف أو التحرك جنوبًا في ظروف شديدة القسوة.
بدأت العائلات رحلات النزوح سيرًا على الأقدام أو باستخدام السيارات، بينما حمل البعض أطفالهم وأمتعتهم القليلة. لم يكن الطريق نفسه خاليًا من المخاطر، ولم تكن الوجهة الجنوبية مجهزة لاستقبال هذا العدد.
توجه كثيرون إلى المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء. لكن الجنوب نفسه كان يعاني من نقص المياه والغذاء والوقود، لذلك لم يتحول النزوح إلى حياة آمنة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح النزوح جزءًا متكررًا من حياة الفلسطينيين في غزة. كلما تغيرت خطوط العمليات العسكرية، اضطرت عائلات إلى جمع ما تبقى لديها والرحيل من جديد.
مستشفى الأهلي العربي.. صدمة الأيام الأولى
في 17 أكتوبر 2023، وقع انفجار في محيط مستشفى الأهلي العربي في مدينة غزة، الذي كان يؤوي أعدادًا من النازحين إلى جانب المرضى.
سقط عدد كبير من الضحايا في الحادثة، وأثارت صور المكان صدمة واسعة داخل غزة وخارجها.
لكن بالنسبة إلى الفلسطينيين، كانت الصدمة الأهم أن مكانًا يفترض أن يكون ملاذًا للمرضى والنازحين أصبح هو الآخر موقعًا للخوف والموت.
جاءت الحادثة في وقت كانت فيه المستشفيات تعاني أصلًا من ضغط هائل. كانت الطواقم الطبية تستقبل أعدادًا متزايدة من المصابين، بينما تتراجع قدرتها على تقديم الرعاية اللازمة.
نوفمبر 2023.. المستشفيات أمام اختبار البقاء
مع دخول الحرب شهرها الثاني، وصلت المنظومة الصحية في غزة إلى واحدة من أصعب مراحلها. خرجت منشآت صحية عديدة عن الخدمة، وتضررت أخرى بفعل القصف ونقص الوقود والمستلزمات.
كان مستشفى الشفاء في قلب الأزمة. امتلأت أروقته بالمصابين والمرضى والنازحين، بينما واجه الأطباء صعوبة متزايدة في توفير الرعاية الأساسية.
وفي نوفمبر، أعلنت جهات أممية أن معظم مستشفيات شمال غزة لم تعد قادرة على العمل بصورة طبيعية. وداخل مستشفى الشفاء، توفي مرضى ورضع بسبب تدهور الظروف ونقص الخدمات الأساسية.
ومع مرور ثلاث سنوات، لا تزال الأزمة الصحية قائمة. ووفق منظمة الصحة العالمية في سبتمبر 2026، كان 19 مستشفى فقط من أصل 36 يعمل بصورة جزئية، بينما لم يكن أي مستشفى يعمل بكامل طاقته.
الشفاء.. خسارة مستشفى تعني خسارة منظومة كاملة
لم يكن مستشفى الشفاء مجرد مبنى طبي. كان واحدًا من أهم مراكز العلاج في القطاع، ويضم أقسامًا وقدرات طبية يعتمد عليها آلاف الفلسطينيين.
لذلك، فإن تضرره وخروجه عن الخدمة تركا أثرًا تجاوز المرضى الموجودين داخله. فقد تقلصت القدرة على إجراء العمليات واستقبال الإصابات وتقديم الرعاية المتخصصة.
ومع تراجع قدرة المستشفيات الأخرى، انتقلت الضغوط إليها. أصبحت المنشآت الطبية تعمل بأقل من احتياجاتها. بينما ارتفع عدد المرضى والمصابين الذين يحتاجون إلى علاج مستمر.
خان يونس.. الجنوب الذي لم يصبح ملاذًا
بعد موجات النزوح من الشمال، أصبحت خان يونس واحدة من أبرز المناطق التي تجمع فيها النازحون. وصلت عائلات كثيرة إليها وهي تعتقد أن الجنوب قد يوفر لها قدرًا أكبر من الأمان.
لكن القصف والعمليات العسكرية وصلا لاحقًا إلى المنطقة. اضطر كثير من السكان إلى مغادرة خان يونس مرة أخرى، بعدما تركوا خلفهم أماكن الإيواء التي لجؤوا إليها.
تحولت رحلة النزوح إلى دائرة مغلقة. ينتقل الفلسطيني من منطقة إلى أخرى، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى الرحيل مرة جديدة، دون أن يملك خيارًا واضحًا للعودة.
رفح.. مدينة تحولت إلى تجمع هائل للنازحين
مع استمرار الحرب، تحولت رفح إلى واحدة من أكبر مناطق تجمع النازحين في القطاع. وصلت إليها مئات الآلاف من العائلات التي غادرت مناطق أخرى.
ارتفع الضغط على المدارس والملاجئ ومصادر المياه والخدمات الأساسية. وأصبحت الخيام تنتشر في مساحات واسعة، بينما يعيش الناس في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وفي مايو 2024، بدأت عملية عسكرية واسعة في رفح، ما دفع أعدادًا كبيرة من النازحين إلى الفرار مجددًا. وبذلك فقد كثيرون آخر مكان كانوا يعتبرونه ملاذًا.
لم تعد الخيمة مجرد مأوى مؤقت. أصبحت بالنسبة إلى آلاف العائلات منزلًا جديدًا، رغم أنها لا توفر الحماية من الحر أو البرد أو القصف.
المواصي.. حين فقد المكان الآمن معناه
توجهت أعداد كبيرة من النازحين إلى منطقة المواصي، بعدما طُلب من السكان في مناطق أخرى الانتقال إليها. لكن المنطقة لم تكن مجهزة لاستيعاب الأعداد الكبيرة.
في 13 يوليو 2024، تعرضت منطقة المواصي لقصف أدى، وفق وزارة الصحة في غزة، إلى استشهاد 90 فلسطينيًا وإصابة نحو 300 آخرين.
كان بين الشهداء نساء وأطفال، في مشهد أعاد طرح السؤال نفسه الذي رافق الحرب منذ بدايتها.. أين يمكن للفلسطيني أن يذهب عندما يصل القصف إلى الأماكن التي طُلب منه اللجوء إليها؟
وفي اليوم التالي، وقعت هجمات أخرى على مناطق مدنية. استشهد فلسطينيون في موقع للصلاة في مخيم الشاطئ. كما سقط ضحايا في مدرسة تؤوي نازحين في النصيرات.
النصيرات.. القصف وسط المخيم
في 8 يونيو 2024، شهد مخيم النصيرات عملية عسكرية واسعة ترافقت مع قصف واشتباكات كثيفة في منطقة مكتظة بالسكان.
أعلنت القوات الإسرائيلية في ذلك اليوم استعادة أربعة أسرى، بينما تحدثت المصادر الفلسطينية عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا والمصابين خلال العملية.
كان المشهد داخل المخيم شديد القسوة. المباني السكنية والشوارع الضيقة تحولت إلى مناطق قتال، فيما حاول السكان الفرار وسط القصف والركام.
بالنسبة إلى سكان النصيرات، لم تكن العملية مجرد حدث عسكري. كانت يومًا آخر عاش فيه المدنيون تحت النار، وفقدت خلاله عائلات فلسطينية أفرادًا منها.
المدارس.. عندما اختفى المكان الذي كان يجب أن يحمي الطفولة
مع اتساع النزوح، تحولت المدارس إلى أماكن لإيواء العائلات. امتلأت الفصول والساحات بالأطفال والنساء وكبار السن، بينما غابت البيئة الطبيعية للتعليم والحياة اليومية.
لكن المدارس نفسها تعرضت لأضرار ودمار واسع. وأظهرت التقييمات الدولية أن ما يقارب جميع المدارس في غزة تعرضت للضرر أو الدمار بدرجات مختلفة.
فقد الأطفال بذلك مكانًا للتعلم، ومكانًا للعب، ومجتمعًا صغيرًا كانوا يعرفونه قبل الحرب. تحولت المدرسة من مساحة للطفولة إلى مكان يبحث فيه الناس عن الحماية.
الأطفال.. ثلاث سنوات من طفولة مؤجلة
كان الأطفال من أكثر الفئات تأثرًا بالحرب. فقد كثيرون آباءهم أو أمهاتهم أو إخوتهم، بينما عاش آخرون سنواتهم الأولى داخل الخيام ومراكز النزوح.
كبر أطفال غزة وسط أصوات القصف والبحث عن الطعام والمياه. أصبح الطابور أمام مركز المساعدات جزءًا من حياتهم اليومية، بدلًا من الطابور أمام المدرسة.
ولا تتوقف آثار الحرب عند الخسائر الجسدية. فالأطفال يواجهون آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، ويحتاجون إلى سنوات من الدعم حتى يتمكنوا من استعادة جزء من حياتهم الطبيعية.
الإصابات التي غيّرت حياة أصحابها
خلفت الحرب عددًا هائلًا من الإصابات التي لم تنته آثارها بانتهاء العمليات العسكرية. كثير من المصابين أصبحوا بحاجة إلى رعاية وتأهيل طويل الأمد، بعدما غيرت الإصابات حياتهم بصورة كاملة.
ووفق منظمة الصحة العالمية في مايو 2026، تعرض نحو 43 ألف شخص لإصابات غيرت حياتهم. وكان من بينهم قرابة 10 آلاف طفل.
وتشمل هذه الإصابات أكثر من 22 ألف إصابة خطيرة في الأطراف، وأكثر من 5 آلاف حالة بتر. كما شملت أكثر من ألفي إصابة في الحبل الشوكي.
وسجلت المنظمة أيضًا أكثر من 3,400 حالة حروق شديدة، إلى جانب أكثر من 1,300 إصابة خطيرة في الدماغ.
وخلال الفترة بين سبتمبر 2024 ومايو 2026، جرى تقييم نحو 2,300 شخص من مبتوري الأطراف. لكن نحو 500 منهم فقط حصلوا على أطراف صناعية دائمة.
هذه الأرقام تعني أن آثار الحرب ستستمر سنوات طويلة. فالإصابة التي وقعت خلال دقائق قد تحتاج إلى علاج وتأهيل ورعاية تستمر لعقود.
الجوع.. الحرب التي دخلت إلى كل بيت
مع تدمير المنازل والأسواق والمزارع والمخابز وشبكات النقل، أصبح الوصول إلى الطعام أكثر صعوبة. فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، وتراجعت قدرتها على شراء الاحتياجات الأساسية.
بدأ السكان بتقليل الوجبات وتغيير نوعية الطعام. وفي كثير من المناطق، أصبحت العائلة تحاول توفير الطعام للأطفال أولًا، حتى لو نام الكبار دون وجبة.
لم يكن الجوع نتيجة نقص الغذاء فقط. فقد ارتبط أيضًا بالدمار، وانقطاع الدخل، وارتفاع الأسعار، وصعوبة الوصول إلى الأسواق ومصادر المساعدات.
2025.. المجاعة تدخل المشهد
في أغسطس 2025، أكدت لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وقوع المجاعة في محافظة غزة، اعتبارًا من 15 أغسطس.
أشارت التقديرات إلى أن أكثر من نصف مليون شخص كانوا يواجهون ظروفًا كارثية. كما كان نحو 1.07 مليون شخص، أي 54% من السكان، في مرحلة الطوارئ الغذائية.
ووجد نحو 396 ألف شخص آخرين في مرحلة الأزمة الغذائية. وحذرت التقديرات من احتمال توسع ظروف المجاعة إلى دير البلح وخان يونس.
ولم يتوقف الأمر عند البالغين. فقد كان نحو 132 ألف طفل دون الخامسة يعانون سوء تغذية حادًا حتى يونيو 2026، بينهم أكثر من 41 ألفًا يعانون سوء تغذية حادًا شديدًا.
كما احتاج نحو 55,500 من النساء الحوامل والمرضعات اللاتي يعانين سوء التغذية إلى استجابة عاجلة.
الوصول إلى الطعام أصبح خطرًا بحد ذاته
لم يعد البحث عن الطعام مهمة يومية صعبة فقط. في مراحل معينة من الحرب، أصبح الوصول إلى نقاط توزيع المساعدات يحمل مخاطر كبيرة على حياة المدنيين.
وبين 27 مايو و25 يونيو 2025، أفادت وزارة الصحة في غزة باستشهاد 549 فلسطينيًا وإصابة أكثر من 4,066 آخرين أثناء محاولتهم الوصول إلى الطعام.
وفي النصف الثاني من مايو وحده، جرى تشخيص أكثر من 2,700 طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد.
أصبح الطعام في تلك المرحلة مرتبطًا بالخوف. يخرج الأب أو الأم بحثًا عن كيس طحين أو وجبة، ولا يعرف إن كان سيعود إلى أطفاله.
المياه.. عطش وسط قطاع ساحلي
رغم أن غزة تقع على ساحل البحر المتوسط، فإن الحصول على مياه صالحة للشرب أصبح من أكبر تحديات الحياة اليومية.
تضررت شبكات المياه ومحطات التحلية. كما أدى نقص الكهرباء والوقود وقطع الغيار إلى تقليص قدرة المنشآت على العمل.
انتظر السكان ساعات طويلة للحصول على كميات محدودة من المياه. واضطرت عائلات إلى الاختيار بين مياه الشرب ومياه النظافة والطهي.
ومع نقص المياه، تراجعت القدرة على الحفاظ على النظافة الشخصية. وارتفعت المخاطر الصحية في أماكن النزوح المكتظة التي تفتقر إلى شبكات صرف صحي كافية.
المرضى الذين لا يملكون رفاهية الانتظار
بالنسبة إلى مرضى السرطان وغسيل الكلى والنساء الحوامل والأطفال حديثي الولادة، لم تكن الحرب مجرد خطر أمني. أصبحت رحلة العلاج نفسها معركة يومية.
تراجعت قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية المتخصصة. كما واجه المرضى صعوبة في الحصول على الأدوية والمستلزمات الضرورية.
وأشارت منظمة الصحة العالمية في 2026 إلى استمرار مشكلات الوصول إلى علاج السرطان وغسيل الكلى. كما حذرت من المخاطر التي تواجه الأمهات والأطفال حديثي الولادة بسبب نقص الخدمات.
الصحفيون.. الذين وثقوا الحرب وهم يعيشونها
عاش الصحفيون الفلسطينيون الحرب من داخلها. لم يكونوا مجرد شهود على الأحداث، بل كانوا يعيشون القصف والنزوح وفقدان أفراد العائلة مثل بقية السكان.
واصل الصحفيون العمل وسط ظروف شديدة الخطورة. وثقوا الغارات والدمار والتهجير والجوع، بينما فقد بعضهم منازلهم أو أفرادًا من عائلاتهم.
تحولت الكاميرا والهاتف إلى وسيلتين لحفظ ذاكرة مدينة كانت تتغير أمام أعين العالم. وكل صورة التقطت من غزة حملت معها جزءًا من حياة أصحابها.
العاملون الصحيون والإنسانيون.. الحرب داخل أماكن الإنقاذ
لم يسلم العاملون في المجال الصحي والإنساني من آثار الحرب. فقد اضطر الأطباء والممرضون والمسعفون إلى العمل في ظروف استثنائية، مع نقص الوقود والأدوية والمعدات.
بحلول 2026، فقد أكثر من 1,700 عامل صحي حياتهم، وفق منظمة الصحة العالمية. كما سجلت المنظمة أكثر من 920 حادثة أثرت على مرافق صحية أو عاملين فيها منذ بداية الحرب.
وبذلك، لم تكن الأزمة الصحية مرتبطة فقط بأعداد المصابين. كانت مرتبطة أيضًا بفقدان العاملين والمنشآت والقدرة على تقديم العلاج.
يناير 2025.. هدنة تكشف حجم الركام
في يناير 2025، دخل وقف لإطلاق النار حيز التنفيذ. سمحت الهدنة لبعض العائلات بالعودة إلى المناطق التي غادرتها، لكنها وجدت أمامها مشهدًا مختلفًا تمامًا.
كانت أحياء كاملة قد تغيرت ملامحها. مبانٍ انهارت، وشوارع امتلأت بالركام، ومنازل لم تعد صالحة للسكن.
وخلال فترة الهدوء، تمكنت فرق مختلفة من الوصول إلى مناطق كانت العمليات العسكرية تمنع الوصول إليها. وانتشلت مئات الجثامين من تحت الأنقاض.
لم تكن العودة تعني استعادة الحياة. كان على العائلات أن تبدأ من جديد، في أماكن لا تتوفر فيها الخدمات الأساسية.
مارس 2025.. عودة القصف والنزوح
في 18 مارس 2025، عاد القصف واسع النطاق إلى قطاع غزة. انهارت الهدنة، وعادت موجات النزوح إلى الواجهة.
وبحلول 25 يونيو، كانت وزارة الصحة في غزة قد أعلنت وصول الحصيلة منذ بداية الحرب إلى 56,156 شهيدًا و132,239 مصابًا.
وخلال الفترة التي أعقبت استئناف العمليات في مارس، سقط آلاف الفلسطينيين بين شهيد وجريح. كما اضطرت عائلات جديدة إلى ترك منازلها ومناطق نزوحها.
عاد الفلسطينيون إلى المشهد نفسه. حقيبة صغيرة، أطفال مذعورون، وطريق جديد لا يعرفون إلى أين سينتهي.
النزوح المتكرر.. عندما لا يعود هناك مكان للذهاب إليه
ثلاث سنوات من الحرب جعلت النزوح أكثر من مجرد انتقال من مكان إلى آخر. أصبح تجربة متكررة عاشتها عائلات كثيرة مرات عديدة.
في كل مرة، كانت العائلة تحاول إنقاذ ما تستطيع حمله. لكن الأشياء التي تُترك خلفها تتراكم، من الأثاث إلى الصور والوثائق وذكريات سنوات كاملة.
ومع تقلص المساحات الآمنة، أصبح العثور على مكان يوفر الماء والطعام والحماية أمرًا أكثر صعوبة. تحولت الخيمة إلى عنوان، ثم تحولت الخيمة نفسها إلى مكان للنزوح مرة أخرى.
أكتوبر 2025.. وقف إطلاق نار لا يعيد الحياة إلى ما كانت عليه
في أكتوبر 2025، دخل وقف إطلاق نار جديد حيز التنفيذ. انخفض مستوى القتال في مناطق مختلفة، لكن آثار الحرب بقيت حاضرة في كل تفاصيل الحياة.
لم تستطع آلاف العائلات العودة إلى منازلها، لأن المنازل إما دمرت بالكامل أو أصبحت غير صالحة للسكن.
بقيت المستشفيات تعمل بقدرات محدودة، واستمرت أزمة المياه والصرف الصحي والغذاء. كما ظل آلاف المصابين بحاجة إلى علاج وتأهيل طويل الأمد.
كان الهدوء خطوة ضرورية، لكنه لم يكن نهاية المعاناة. فالحرب تركت خلفها أزمة إنسانية واجتماعية تحتاج إلى سنوات طويلة لمعالجتها.
2026.. الهدوء النسبي لا يمحو آثار الحرب
دخل قطاع غزة عام 2026 وهو يحمل آثار ثلاث سنوات من الدمار. يعيش كثير من الفلسطينيين في خيام أو مبانٍ متضررة، بينما يحاول آخرون العودة إلى ما تبقى من أحيائهم.
ولا تزال المستشفيات تعمل بصورة جزئية. كما تواجه شبكات المياه والصرف الصحي والنظافة تحديات كبيرة، بينما يبقى الوصول إلى الغذاء غير مستقر.
وفي مايو 2026، قدرت منظمة الصحة العالمية أن نحو 43 ألف شخص أصيبوا بإصابات غيرت حياتهم. وكان أكثر من 50 ألف شخص بحاجة إلى خدمات تأهيل طويلة الأمد.
وهكذا، فإن توقف القصف أو انخفاض حدته لا يعني انتهاء آثار الحرب. فالإصابات والإعاقات وفقدان المنازل والصدمات النفسية ستبقى جزءًا من حياة غزة لسنوات.
دمار لا يمكن اختصاره في صورة واحدة
أظهر التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات أن أكثر من 371,888 وحدة سكنية تعرضت للدمار أو الأضرار.
كما فقد أكثر من 1.2 مليون شخص منازلهم. وبلغت قيمة الأضرار المادية نحو 35.2 مليار دولار، بينما وصلت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية إلى 22.7 مليار دولار.
وتحتاج غزة إلى نحو 71.4 مليار دولار للتعافي وإعادة الإعمار خلال عشر سنوات. وتشير التقديرات إلى أن نحو 26.3 مليار دولار ستكون مطلوبة خلال أول 18 شهرًا من مرحلة التعافي.
لكن الضرر لم يصب المباني وحدها. فقد انكمش اقتصاد غزة بنحو 84%، وتراجع مستوى التنمية البشرية بما يعادل 77 عامًا.
هذه الأرقام تصف حجم الكارثة، لكنها لا تصف وحدها ما يعنيه أن تفقد عائلة منزلها أو مصدر رزقها أو مستقبل أطفالها.
ثلاث سنوات صنعت جيلًا مختلفًا
نشأ جيل كامل من أطفال غزة خلال الحرب. يعرف كثير منهم الخيام ومراكز الإيواء وطوابير المساعدات أكثر مما يعرفون المدارس والملاعب.
تأجل التعليم، وتراجعت الحياة الاجتماعية، وفقد الأطفال سنوات كان يفترض أن يعيشوها بعيدًا عن الخوف.
وسيحتاج هذا الجيل إلى أكثر من إعادة فتح المدارس. سيحتاج إلى دعم نفسي، وتعويض تعليمي، وبيئة آمنة تساعده على استعادة الإحساس بالحياة الطبيعية.
غزة بعد ثلاث سنوات.. الحياة بين الركام
في أكتوبر 2026، لا يمكن النظر إلى غزة باعتبارها مجرد منطقة خرجت من حرب طويلة. فالقطاع تغير اجتماعيًا واقتصاديًا وعمرانيًا، وتحولت تفاصيل الحياة اليومية فيه بصورة جذرية.
ووفق بيانات أممية في 2 أكتوبر 2026، سجلت وزارة الصحة في غزة 1,431 شهيد. و5,026 إصابة منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وحتى نهاية سبتمبر 2026. وأضافت لاحقًا استشهاد 81 مواطن بعد التحقق من هويات أصحابها.
ولا تزال آلاف المباني غير آمنة. وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 4,000 مبنى يحتاج إلى هدم جزئي أو كامل. بينما لا يزال أكثر من 2,300 مبنى مأهولًا بنحو 44 ألف شخص.
وهذا يعني أن الخطر لم يختفِ حتى مع انخفاض حدة القتال. مبانٍ متضررة قد تنهار، وطرق مدمرة تعرقل الحركة، وخدمات أساسية لا تزال تعمل بقدرات محدودة.
ثلاث سنوات.. ماذا بقي؟
بعد ثلاث سنوات، بقيت غزة تحمل آثار حرب لا يمكن اختصارها في عدد الشهداء أو المصابين أو المباني المدمرة.
بقيت الأمهات يحاولن حماية أطفالهن وسط ظروف قاسية. وبقي الأطباء يعملون بما يتوفر لديهم، بينما يحاول المصابون استعادة قدرتهم على الحركة والحياة.
وبقيت عائلات تبحث عن جثامين أحبائها تحت الأنقاض، وأخرى تحاول معرفة مصير مفقودين لم يعودوا إلى منازلهم.
وبقي الأطفال يحاولون اللعب في المساحات التي تركها الركام. وبقيت عائلات أخرى تحتفظ بمفاتيح منازل لم تعد قائمة، لأنها آخر ما تبقى من حياة كاملة.
ثلاث سنوات غيرت وجه غزة. لكنها لم تستطع إلغاء رغبة سكانها في البقاء، ولا محاولاتهم اليومية لإعادة بناء ما يمكن بناؤه من حياتهم.
في نهاية كل يوم، ما زالت هناك أم تطهو لعائلتها بما توفر، وأب يحاول تأمين الماء، وطفل يغسل وجهه قبل النوم، وطالب يحاول أن يتعلم رغم غياب مدرسته.
وفي مكان ما بين الركام والخيام، ما زالت غزة تحاول أن تعيش.
فالبيت الذي تهدم يمكن إعادة بنائه يومًا ما، والشارع يمكن تعبيده من جديد، والمدرسة يمكن ترميم جدرانها. لكن ما فقدته العائلات من أحبائها وذكرياتها وسنوات حياتها لا يمكن إعادته بالحجارة.
وهنا تختصر غزة حكاية ثلاث سنوات كاملة؛ مدينة فقدت الكثير، لكنها ما زالت تبحث بين الركام عن مساحة صغيرة للحياة.





