مقالات الخامسة

حين يصبح إنكار الشعب مشروعًا سياسيًا… كيف يُراد لفلسطين أن تختفي؟

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: د. اسعد العويوي

ليست أخطر الحروب تلك التي تُخاض بالدبابات والطائرات، بل تلك التي تستهدف الوعي والذاكرة والهوية. فحين يتحول إنكار وجود شعب إلى عقيدة سياسية، يصبح الاستيلاء على أرضه أكثر سهولة، ويغدو اقتلاع حقوقه مشروعًا يُقدَّم للعالم باعتباره أمرًا طبيعيًا.

هذا، في تقديري، هو جوهر المشروع الذي يقوده اليمين الديني المتطرف في إسرائيل.

فالقضية، بالنسبة لهذا التيار، لم تعد تدور حول حدود عام 1967 أو مستقبل عملية السلام، بل حول نفي وجود الشعب الفلسطيني نفسه. وعندما يُختزل الفلسطيني إلى مجرد “سكان” أو “تجمعات بشرية”، فإن المقصود ليس توصيفًا سياسيًا، بل إعادة صياغة الرواية بما يسمح بالاستيلاء على الأرض دون الاعتراف بصاحبها.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

من هنا، لا يبدو ما يُسمى “حل الدولتين” في خطاب بعض رموز هذا التيار مشروعًا لإنهاء الصراع، بقدر ما يبدو وسيلة لإدارة الصراع مع الإبقاء على السيطرة الفعلية على الأرض. فبينما تُرفع شعارات السلام، تتوسع المستوطنات، وتُقطع أوصال الضفة الغربية، وتُفرض وقائع جديدة تجعل قيام دولة فلسطينية ذات سيادة أمرًا أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

إنه مشروع يقوم على معادلة واضحة: أكبر مساحة من الأرض، وأقل عدد ممكن من الفلسطينيين أصحاب الحقوق الوطنية.

ولهذا، فإن إنكار وجود الشعب الفلسطيني ليس تفصيلًا فكريًا، بل هو الأساس الذي يقوم عليه المشروع كله. فمن السهل مصادرة أرض شعب يُقال إنه غير موجود، ومن السهل تبرير الاستيطان إذا تحولت الضحية، في الرواية السياسية، إلى مجرد “سكان” بلا حق تاريخي أو قومي.

لكن التاريخ لا يُكتب بالرغبات الأيديولوجية. فلا شعب اختفى لأن خصمه أنكر وجوده، ولا هوية وطنية زالت لأن قوة عسكرية قررت ذلك. لقد أثبتت تجارب الأمم أن القوة قد تحتل الأرض، لكنها تعجز عن احتلال الذاكرة.

ومن هنا، فإن المواجهة الفلسطينية يجب ألا تكون رد فعل يوميًا على كل إجراء، بل مشروعًا وطنيًا متكاملًا. فالانقسام لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل تحول إلى نقطة ضعف يستفيد منها كل من يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية. والوحدة الوطنية لم تعد شعارًا سياسيًا، بل أصبحت شرطًا لحماية الوجود الوطني نفسه.

كما أن الصمود على الأرض، وتعزيز بقاء الفلسطيني في وطنه، وبناء خطاب سياسي وإعلامي وقانوني قادر على مخاطبة العالم بلغة الحقوق والعدالة، لم تعد خيارات، بل ضرورات تفرضها طبيعة المشروع الذي يُنفذ على الأرض.

ومع ذلك، فإن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها.

فالمشروع اليميني المتطرف نجح في فرض كثير من الوقائع على الأرض، لكنه فشل في احتكار الرواية أمام العالم. وخلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد الحرب على غزة، شهد الرأي العام العالمي تحولًا ملحوظًا. اتسعت حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، وارتفعت أصوات في الجامعات، ووسائل الإعلام، والأوساط الحقوقية، تطالب بالمساءلة واحترام القانون الدولي. كما أصبحت الاتهامات المتعلقة بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي محور نقاش عالمي واسع، الأمر الذي أضعف قدرة الاحتلال على فرض روايته بوصفها الرواية الوحيدة.

قد تستطيع الحكومات أن تختلف في مواقفها، لكن الشعوب أصبحت أكثر وعيًا بحقيقة ما يجري على الأرض، وأكثر قدرة على التمييز بين خطاب القوة وحقائق الواقع. وهذه ربما تكون أكبر خسائر المشروع الذي راهن طويلًا على احتكار السردية.

إن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الحقيقة أيضًا. والتاريخ يعلمنا أن من يستطيع أن يؤخر العدالة، لا يستطيع أن يلغيها. فالشعوب لا تُمحى بقرار، ولا تُلغى بقانون، ولا تختفي لأن قوةً ما قررت إنكار وجودها. وسيبقى الشعب الفلسطيني، كما بقي عبر عقود طويلة، شاهدًا على أن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها عدالة القضية، ووعي أصحابها، وإيمان الأحرار بها في كل مكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى