ثابت

سبتمبر.. كيف غيّرت 102 دقيقة مسار ربع قرن؟

الخامسة للأنباء - غزة

لم تكن الساعة قد تجاوزت الثامنة والنصف صباحاً في نيويورك، حين بدأت الولايات المتحدة تدخل واحداً من أكثر أيامها دموية، قبل أن يتحول خلال دقائق إلى لحظة فاصلة في التاريخ الحديث.

أربع طائرات مدنية اختُطفت في عملية منسقة نفذها 19 شخصاً مرتبطين بتنظيم القاعدة، لتصطدم اثنتان منها ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” ، بينما تحطمت الرابعة في حقل بولاية بنسلفانيا بعد محاولة ركابها مقاومة الخاطفين.

في ذلك الصباح، قتل 2977 شخصًا من 90 دولة، لكن حصيلة 11 سبتمبر لم تتوقف عند الضحايا الذين سقطوا في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا. فقد كان ذلك اليوم بداية مسار طويل أعاد تشكيل الأمن والسياسة الخارجية الأميركية، وأطلق حروبًا امتدت لعقود، وأعاد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، وغيّر تفاصيل الحياة اليومية لملايين الأشخاص حول العالم.

وبعد ربع قرن، لا تزال الولايات المتحدة تستعيد تفاصيل ذلك الصباح دقيقة بدقيقة، بينما يستمر النقاش حول إرثه: هل نجحت «الحرب على الإرهاب» في تحقيق أهدافها؟ وكم كان ثمنها؟ وكيف غيّرت العالم الذي جاء بعدها؟

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

102 دقيقة صنعت تاريخاً  جديداً

بدأت العملية في الساعات الأولى من صباح 11 سبتمبر 2001، عندما استقل الخاطفون أربع طائرات تجارية كانت متجهة من الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى كاليفورنيا.

عند 8:46 صباحاً، اصطدمت الرحلة 11 التابعة لـ«أميركان إيرلاينز» بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي.

وبعد 17 دقيقة، عند 9:03، اصطدمت الرحلة 175 التابعة لـ«يونايتد إيرلاينز» بالبرج الجنوبي.

في البداية، تابع العالم المشهد باعتباره حادثاً جويًا كارثيًا، لكن ظهور الطائرة الثانية وهي تصطدم بالبرج الآخر بدد الشكوك: ما يحدث لم يكن حادثاً، بل هجومًا منسقًا على قلب الولايات المتحدة سبتمبر.. كيف غيّرت 102 دقيقة مسار ربع قرن؟الاقتصادي.

وفي 9:37 صباحاً، اصطدمت الرحلة 77 بمبنى البنتاغون

وبعد دقائق، اتخذت الأحداث منحى آخر مع الرحلة 93. فقد أدرك عدد من الركاب وأفراد الطاقم أن الطائرة جزء من الهجمات، فحاولوا السيطرة عليها. وانتهت المواجهة عند 10:03 صباحًا بتحطم الطائرة في حقل قرب شانكسفيل بولاية بنسلفانيا. وتشير لجنة 11 سبتمبر إلى أن الطائرة كانت متجهة نحو هدف في واشنطن، ورجحت أن يكون البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

وبينما كانت فرق الإنقاذ تتحرك في نيويورك، انهار البرج الجنوبي عند 9:59 صباحاً، ثم البرج الشمالي عند 10:28.

في أقل من ساعتين، تحولت نيويورك إلى ساحة من الركام والدخان، وتحولت شاشات التلفزيون حول العالم إلى نافذة مفتوحة على حدث لم يكن أحد يعرف إلى أين سيقود.

2977 اسما.. وليس مجرد رقم

كان بين ضحايا الهجمات أشخاص من مختلف الأعمار والجنسيات والخلفيات.

وتحيي الولايات المتحدة الذكرى كل عام بقراءة أسماء الضحايا، فيما يخلد النصب التذكاري في موقع مركز التجارة العالمي أسماء 2977 شخصًا قتلوا في هجمات 11 سبتمبر.

وتضم قائمة الضحايا أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين عامين ونصف و85 عاماً، وينتمون إلى أكثر من 90 دولة.

لكن الوجه الآخر للمأساة كان في صفوف الذين اندفعوا لإنقاذ المحاصرين.

فقد وصل نحو ألف رجل إطفاء وآلاف من أفراد الشرطة وأجهزة الطوارئ إلى مركز التجارة العالمي، وتحول كثير منهم خلال دقائق من رجال إنقاذ إلى ضحايا.

ولهذا، بقي 11 سبتمبر في الذاكرة الأميركية باعتباره يومًا للخسارة، لكنه أصبح أيضًا رمزًا للتضحية والتضامن والاستجابة الجماعية.

من نيويورك إلى أفغانستان

في مساء يوم الهجمات، خاطب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الأميركيين معلناً أن الولايات المتحدة ستلاحق منفذي الهجمات ومن يؤويهم.

لم يكن الخطاب مجرد رد سياسي على هجوم؛ بل كان الإعلان الأول عن مرحلة جديدة في السياسة الخارجية الأميركية.

وبعد أقل من شهر، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها العمليات العسكرية في أفغانستان ضد تنظيم «القاعدة» وحركة طالبان، التي كانت تؤوي قيادة التنظيم وترفض تسليم أسامة بن لادن.

سقط حكم طالبان سريعاً،لكن الحرب لم تنتهِ، حيث تحولت أفغانستان إلى أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها، واستمرت القوات الأميركية هناك نحو 20 عامًا، قبل أن تنسحب في 2021 وتعود طالبان إلى السلطة.

وهكذا، انتقل 11 سبتمبر من نيويورك إلى أفغانستان، ثم إلى ساحات أخرى لم تكن موجودة أصلًا في المشهد يوم الهجمات.

العراق.. الحرب التي وسّعت العنوان

في عام 2002، استخدم بوش في خطاب حالة الاتحاد مصطلح «محور الشر» لوصف العراق وإيران وكوريا الشمالية، وربط بينها وبين ما اعتبره تهديداً للأمن الأميركي.

وبعد عام واحد، غزت الولايات المتحدة العراق وأسقطت نظام صدام حسين.

لكن العراق لم يكن طرفاً في هجمات 11 سبتمبر، كما لم تثبت التحقيقات وجود علاقة عملياتية بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة بشأن الهجمات.

ومع ذلك، أصبحت حرب العراق جزءًا أساسياً من تاريخ ما بعد 11 سبتمبر، وأدت إلى سقوط النظام، ثم إلى سنوات من العنف الطائفي والصراع المسلح، قبل أن يظهر تنظيم «داعش» لاحقًا في العراق وسوريا.

وهنا اتسعت حدود “الحرب على الإرهاب” من ملاحقة تنظيم نفذ هجمات داخل الولايات المتحدة إلى سلسلة حروب وصراعات أعادت تشكيل الشرق الأوسط.

أمن أكثر.. وحريات أقل؟

لم تترك هجمات 11 سبتمبر أثرها في ساحات الحرب فقط، في الداخل الأميركي، تغير مفهوم الأمن نفسه.

أُنشئت إدارة أمن النقل، وشُددت إجراءات التفتيش في المطارات، وفُرضت إجراءات أكثر صرامة على الأمتعة والركاب، وعُززت حماية قمرة القيادة، وظهرت قوائم حظر السفر الجوي.

كما توسعت صلاحيات أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون، وأقر الكونغرس “قانون باتريوت” الذي منح الحكومة صلاحيات واسعة في مجالات المراقبة والتحقيق ومكافحة الإرهاب.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت إجراءات أمنية كانت تبدو استثنائية قبل 11 سبتمبر جزءا من الحياة اليومية، من التفتيش المطول في المطارات إلى جمع البيانات ومراقبة الاتصالات.

لكن السؤال الذي لم يغادر المشهد كان: أين تنتهي ضرورات الأمن وتبدأ حدود الحريات؟

ذلك السؤال بقي حاضراً طوال ربع القرن التالي.

المسلمون.. ضحايا لصورة لم يصنعوها

أطلقت الهجمات أيضًا موجة من العداء ضد المسلمين والعرب في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.

فبعد أن نسبت الهجمات إلى القاعدة، وجد ملايين المسلمين أنفسهم في مواجهة تصاعد الشك والتمييز والاعتداءات، رغم عدم ارتباطهم بالهجمات.

ومع مرور السنوات، أصبح مصطلح “الإسلاموفوبيا” حاضرًا بقوة في النقاش حول إرث 11 سبتمبر، إلى جانب أسئلة أخرى حول علاقة الإعلام الغربي بالإسلام، وكيف تحولت صورة المسلم في بعض الخطابات السياسية والأمنية إلى مصدر اشتباه دائم.

وبذلك، كان للهجمات ضحايا مباشرين، لكنها أنتجت أيضًا تداعيات اجتماعية وسياسية طالت مجتمعات لم تكن طرفًا في الهجوم.

الثمن الذي دفعه العالم

بعد 25 عامًا، تكشف الأرقام أن تأثير 11 سبتمبر لا يمكن قياسه بعدد الأميركيين الذين قتلوا في ذلك اليوم فقط.

فوفق مشروع تكلفة الحرب في جامعة براون، أدت الحروب التي قادتها الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر إلى مقتل 940 ألف شخص على الأقل بصورة مباشرة في مناطق الصراع، بينما تقدر الوفيات غير المباشرة الناجمة عن تداعيات الحرب وانهيار الخدمات الصحية والبنية التحتية وغيرها بنحو 3.6 إلى 3.8 ملايين شخص.

وبذلك، يصل العدد الإجمالي التقديري للوفيات المباشرة وغير المباشرة في مناطق الحروب بعد 11 سبتمبر إلى 4.5 ملايين شخص على الأقل، مع استمرار ارتفاع الرقم.

كما تسببت تلك الحروب في نزوح نحو 38 مليون شخص في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال والفلبين وغيرها.

أما الولايات المتحدة، فقد أنفقت أو التزمت بإنفاق نحو 8 تريليونات دولار على حروب ما بعد 11 سبتمبر، وفق أحدث تقديرات مشروع تكلفة الحرب بجامعة براون.

أرقام تجعل السؤال أكثر إلحاحًا: هل انتهت الحرب فعلًا، أم تغيرت أشكالها فقط؟

غوانتانامو.. حين دخلت الحرب إلى القانون

كان معتقل غوانتانامو أحد أكثر رموز مرحلة ما بعد 11 سبتمبر إثارة للجدل.

فقد احتُجز فيه مئات الأشخاص في إطار الحرب على الإرهاب، وأصبح المعتقل عنوانًا عالمياً للنقاش حول الاحتجاز دون محاكمة، وحقوق الأسرى، وأساليب الاستجواب، وحدود السلطة التنفيذية في أوقات الأزمات.

وهكذا، لم تقتصر الحرب على ساحات القتال، بل وصلت إلى المحاكم والسجون وأجهزة الاستخبارات، وفتحت نقاشًا واسعًا حول التوازن بين الأمن وحقوق الإنسان.

من “القاعدة” إلى “داعش”.. حرب تتغير أسماؤها

لم ينته تهديد الجماعات المسلحة بسقوط نظام طالبان الأول.

على العكس، ظهرت خلال السنوات التالية تنظيمات جديدة، وتطورت شبكات الجماعات المسلحة، وانتقل مركز الثقل من أفغانستان إلى العراق وسوريا ومناطق أخرى.

ثم ظهر تنظيم داعش بوصفه أحد أخطر التنظيمات المسلحة في العقد التالي، مستفيدًا من الفوضى التي خلفتها الحروب والصراعات في العراق وسوريا.

وبذلك، لم يعد العالم أمام تنظيم واحد أو ساحة واحدة، بل أمام شبكة من النزاعات الممتدة التي جعلت «الحرب على الإرهاب» عنوانًا فضفاضًا لصراعات متعددة.

11 سبتمبر في الشرق الأوسط.. من الذاكرة إلى السياسة

بعد سنوات من الهجمات، بقيت واشنطن تنظر إلى إيران باعتبارها خصمًا رئيسيًا في الشرق الأوسط، بينما توسع نفوذ طهران الإقليمي عبر علاقاتها مع قوى وجماعات مسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وفي المقابل، استخدمت إسرائيل مراراً إرث 11 سبتمبر في خطابها السياسي عند الحديث عن الجماعات الفلسطينية واللبنانية المسلحة.

وبعد هجمات 7 أكتوبر 2023، شبّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الهجوم بهجمات 11 سبتمبر، في محاولة لوضع الحرب على غزة داخل إطار “الحرب على الإرهاب”.

لكن التشبيه ظل موضع جدل، لأن أحداث 11 سبتمبر وقعت في سياق مختلف تمامًا عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فيما تعود جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى عقود طويلة قبل عام 2001.

ومع ذلك، يكشف استدعاء 11 سبتمبر بعد أكثر من عقدين على وقوعه عن حجم الحضور الذي بقي لهذا الحدث في الخطاب السياسي العالمي.

ربع قرن.. والحدث لم ينتهِ

في 11 سبتمبر 2001، احتاج العالم إلى دقائق قليلة ليدرك أن شيئًا استثنائيًا يحدث في الولايات المتحدة.

لكن العالم احتاج 25 عاماً ليدرك حجم ما جاء بعد تلك الدقائق.

من برجي مركز التجارة العالمي إلى جبال أفغانستان، ومن بغداد إلى غوانتانامو، ومن إجراءات التفتيش في المطارات إلى شبكات المراقبة، تغيرت قواعد كثيرة في السياسة والأمن والحرب.

وفي المقابل، حملت هذه التحولات كلفة بشرية هائلة في دول لم تكن موجودة في قلب المشهد يوم الهجمات.

واليوم، في الذكرى الـ25، لا تستعيد الولايات المتحدة فقط صور البرجين وهما ينهاران، ولا أسماء 2977 شخصًا قتلوا في ذلك اليوم؛ بل تستعيد أيضاً ربع قرن من القرارات التي اتُخذت باسم تلك الهجمات.

فقد انتهى صباح 11 سبتمبر، لكن العالم الذي وُلد بعده لم ينتهِ بعد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى