في غزة ما زالت العظام تحت الركام

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: وليد العوض
منذ البدء بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر العام الماضي، ودخول قطاع غزة مرحلة جديدة من مراحل حرب الإبادة، تواصل فرق الدفاع المدني عمليات البحث وانتشال جثامين الشهداء ورفاتهم من تحت الأنقاض. وقد تمكنت حتى الآن من انتشال رفات 815 شهيداً من النساء والأطفال والشيوخ، بعدما قادت عمليات البحث إلى بقايا جثامينهم المدفونة تحت الركام.
لكن خلف هذا الرقم، تختبئ آلاف الحكايات التي لا يمكن للأرقام أن تروي وجعها.
وفق التقديرات، ما يزال أكثر من ثمانية آلاف شهيد عالقين تحت الأنقاض، ينتظرون من يصل إليهم، وينتشل رفاتهم، ويعيدها إلى ذويهم، حتى يتمكنوا أخيراً من دفن أحبائهم بكرامة.
هناك عائلات بأكملها ما زالت تحت الركام، آباء وأمهات وأطفال وشيوخ غابوا دفعة واحدة، ولم يبقَ منهم سوى بقايا قد تعثر عليها يد تبحث بين الحديد والإسمنت والحجارة. وهناك عائلات أذابتها النيران، وأخرى مزقتها شدة الانفجارات وحولت أجساد أفرادها إلى أشلاء اختلطت بأطنان الركام، حتى أصبح العثور على بقاياها والتعرف إلى أصحابها رحلة شاقة ومؤلمة.
في غزة، لا تبحث العائلات عن جثامين أحبائها فقط، بل تبحث عن اليقين.
تبحث الأم عن ابنها، والأب عن طفل لم يعد، والزوجة عن زوجها، والأخ عن أخيه. يريدون فقط أن يعرفوا: أين هو؟ ماذا بقي منه؟ أين يمكن أن ندفنه؟
ورغم مرور قرابة عام على اتفاق وقف إطلاق النار، ما تزال عمليات الانتشال تسير ببطء شديد، بسبب النقص الحاد، بل وانعدام كثير من المعدات والآليات اللازمة للوصول إلى العالقين تحت أطنان الركام. وفي مشاهد تختصر قسوة المأساة، تضطر بعض العائلات إلى استخدام أيديها وأظافرها، والاستعانة بأدوات بسيطة، لعلها تعثر على رفات حبيب، أو قطعة من جسد، أو أي شيء يمكن أن يقول لهم: هذا هو ابنكم… وهذا مكانه.
أي وجع يمكن أن يحتمله إنسان وهو يبحث بيديه بين الركام عن عظام أحبائه؟
وأي قسوة أن يمر عام تقريباً على اتفاق وقف إطلاق النار، فيما لا تزال أم تنتظر أن تعرف أين دفن ابنها، وأب ينتظر أن يستعيد رفات طفل، وعائلة كاملة لا تملك حتى قبراً تزور فيه من فقدتهم؟
ولا تنتهي المأساة عند انتشال الرفات، إذ تبدأ معضلة أخرى لا تقل قسوة: التعرف إلى أصحابها. فالنقص الكبير في إمكانات الطب الشرعي والمختبرات والتجهيزات يجعل آلاف العائلات عاجزة عن معرفة مصير أبنائها وذويها.
وهكذا تبقى آلاف الأسر معلقة بين الأمل والفقد؛ لا هي قادرة على إعلان الوداع، ولا هي قادرة على انتظار عودة من تعرف أنه لن يعود.
إنه شكل آخر من أشكال المأساة.
فالموت، في كل مكان، له لحظة دفن ووداع. أما في غزة، فقد حُرم آلاف الفلسطينيين حتى من هذا الحق البسيط: أن يعرفوا أين انتهى أحباؤهم، وأن يواروا جثامينهم الثرى، وأن يقفوا أمام قبر يحمل اسماً وصورة وذاكرة.
والأشد قسوة أن الموت في غزة لم يتوقف تماماً مع وقف إطلاق النار. فرغم مرور قرابة عام على الاتفاق، ما زال الاحتلال يواصل خروقاته، ويسقط الشهداء بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، فيما لا تزال قبور آلاف الشهداء الذين سبقوهم تنتظر أن تُغلق.
وهكذا يستمر الموت، بينما يستمر البحث عن موتى لم يُدفنوا بعد؛ شهداء قضوا في الأشهر الأولى للحرب، وما زالت رفات بعضهم ترقد تحت الركام منذ قرابة ألف يوم، تنتظر يداً تصل إليها، وعيوناً تتعرف إليها، وقبراً يضمها بكرامة.
إن بقاء آلاف الشهداء تحت الركام ليس مجرد مسألة تتعلق بعمليات البحث والانتشال، ولا ملفاً فنياً يمكن تأجيله. إنه جرح إنساني مفتوح، وقضية وطنية وأخلاقية عاجلة، تستدعي تحركاً فلسطينياً وعربياً ودولياً فورياً.
المطلوب توفير المعدات والآليات المتخصصة، ودعم فرق الدفاع المدني والطب الشرعي، وتأمين المختبرات والخبرات والإمكانات اللازمة لانتشال الرفات والتعرف إلى هويات أصحابها، وتمكين عائلاتهم من دفن أحبائهم بكرامة.
ففي غزة، لا تزال عائلات تنتظر.
أم تنتظر رفات ابنها، وأب ينتظر جثمان طفل، وزوجة تنتظر أن تعرف أين انتهى زوجها.
والشاعر سليم النفار باقٍ تحت الركام، يحتضن عائلته، وينتظر أن يصل إليه الأصدقاء بعد طول غياب.
لا يطلب هؤلاء المستحيل.
لا يطلبون سوى أن يجدوا أحباءهم، وأن يودعوهم، وأن يدفنوهم.
في غزة، حتى بعد وقف إطلاق النار، ما زالت العظام تحت الركام.
وما زالت الرفات شاهدة على حرب الإبادة، وما زالت آلاف العائلات تنتظر أن تستعيد موتاها من بين الأنقاض.
فهل يستطيع العالم، ولو مرة واحدة، أن يسمع نداء هؤلاء الذين لا يطلبون سوى قبرٍ يضم أحباءهم، ووداعٍ يضع حداً لانتظارهم؟




