في يوم البيئة العالمي… غزة تختنق: إبادة بيئية تُحاكي الإبادة الجماعية وسط صمت دولي

الخامسة للأنباء - غزة
في الخامس من حزيران/يونيو 2025، يحلّ اليوم العالمي للبيئة وغزة ترزح تحت وطأة واحدة من أبشع الكوارث البيئية والإنسانية التي يشهدها العصر الحديث. فالحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع منذ أكتوبر 2023 لم تكتفِ بحصد الأرواح وتهجير السكان، بل تحوّلت إلى هجوم شامل على البيئة ومقوّمات الحياة، في عملية ممنهجة تهدف إلى اقتلاع غزة من جذورها، ليس فقط كبقعة جغرافية مأهولة، بل كنظام بيئي متكامل قابل للاستدامة.
منذ اندلاع العدوان، تحوّلت غزة إلى مختبر للتجريب البيئي القاتل. منشآت المياه والصرف الصحي دُمّرت، التربة لوّثتها المتفجرات والمواد الكيميائية، والبحر امتلأ بمخلفات خطرة وصرف صحي غير معالج. القصف المتكرر بأسلحة محظورة دولياً، مثل الفوسفور الأبيض، تسبب في تلويث الهواء والتربة والمياه، ما يهدد صحة السكان الحالية والأجيال القادمة لعقود طويلة.
لكن الكارثة لم تقتصر على غزة وحدها؛ إن تدهور البيئة في هذا الحيّز الجغرافي الضيق (365 كم²) يشكّل خطرًا على النظام البيئي بأكمله في شرق المتوسط، مهدّدًا التنوع الحيوي والأمن البيئي في المنطقة برمتها. وتُشكّل هذه الانتهاكات سابقة تاريخية في تحويل البيئة إلى أداة حربية تُستخدم لشن إبادة مزدوجة: للإنسان والطبيعة، بما يخالف كافة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة.
أمن مائي مفقود وانهيار شبه كامل للبنية التحتية
تحت نيران العدوان، يعاني سكان غزة من أزمة مائية خانقة. أكثر من 91% من الأسر تعاني من انعدام الأمن المائي، ويتلقى 65% من السكان أقل من 5 لترات للفرد يوميًا للشرب والطبخ – وهو ما لا يكفي حتى الحد الأدنى الإنساني المطلوب في حالات الطوارئ.
وقد تم تدمير أكثر من 80% من محطات المياه، و330 ألف متر طولي من الشبكات، ما أدى إلى انهيار شبكة الإمداد المائي. وكنتيجة مباشرة، قفزت أسعار مياه الصهاريج بنسبة تفوق 400% خلال عام واحد، ما جعل المياه سلعة نادرة ومكلفة تُثقل كاهل العائلات المنهكة.
تدمير شامل لمنظومة الصرف الصحي
العدوان دمّر أكثر من 85% من البنية التحتية للصرف الصحي، بما في ذلك 73 محطة ضخ من أصل 84، وأوقف تشغيل جميع محطات المعالجة الرئيسية. النتيجة: تدفّق مباشر للمياه العادمة إلى البيئة والمياه الجوفية، وانتشار القوارض والآفات في ظل تدهور غير مسبوق في الأوضاع الصحية والمعيشية.
وفي شمال الضفة الغربية، امتدّ العدوان ليضرب البنية التحتية في جنين وطولكرم وطوباس، حيث تضررت عشرات الكيلومترات من شبكات المياه والصرف الصحي، مما فاقم أزمة البيئة والصحة العامة في تلك المناطق.
قطاع غزة بلا مكبات نفايات و50 مليون طن ركام
مع انهيار منظومة إدارة النفايات، تكدّست أكثر من نصف مليون طن من النفايات الصلبة في شوارع غزة، إلى جانب 50 مليون طن من الركام والأنقاض الناتجة عن تدمير أكثر من 173 ألف مبنى. هذا الركام يحتوي على مواد خطرة مثل الأسبستوس، فضلاً عن مخلفات طبية وعسكرية خطيرة، ما يعرّض البيئة والسكان لمخاطر جسيمة.
الزراعة تنهار: تدمير 81% من الأراضي الزراعية
وفق تقييم أجرته منظمة “يونستات”، تم تدمير أكثر من 81% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة نتيجة القصف والتجريف والتحركات العسكرية. محافظتا خانيونس ورفح سجلتا أعلى نسب التدمير، ما يجعل الأمن الغذائي لأكثر من مليوني نسمة مهددًا بالانهيار التام.
الضفة الغربية تحت وطأة نفايات الاحتلال والاستيطان
في الضفة الغربية، تواجه البيئة تحديات متعددة الأوجه بفعل الاحتلال والاستيطان. إسرائيل تفرغ سنويًا نحو 60 ألف طن من نفاياتها الإلكترونية في الأراضي الفلسطينية، تُحرق لاستخراج النحاس، مسببة تلوثًا للتربة والمياه والهواء.
كما تقوم 50 مستوطنة إسرائيلية بتصريف 35 مليون م³ من مياهها العادمة سنويًا في الأراضي الفلسطينية، دون معالجة ملائمة، مما أدى إلى تدهور خطير في جودة التربة والمياه الجوفية. ويُضاف إلى ذلك مصادرة أكثر من 46 ألف دونم من الأراضي الزراعية في عام 2024 وحده، في إطار التوسع الاستيطاني المستمر.
الاقتصاد البلاستيكي وتحديات التلوث
رغم محدودية الإمكانات، يعمل قطاع الصناعات البلاستيكية في الضفة الغربية، ويشغّل أكثر من 2,700 عامل. إلا أن التخلص غير السليم من مخلفات البلاستيك، خصوصًا عبر الحرق، يؤدي إلى انبعاث سموم خطيرة تلوّث الهواء والتربة، ما دفع الجهات المختصة لتكثيف حملات التوعية وتشجيع إعادة التدوير.
البيئة في فلسطين ضحية صامتة لحرب غير متكافئة
في يوم البيئة العالمي، يُسلّط الضوء على غزة كنموذج صارخ للانتهاك البيئي المتعمّد في سياق حرب استعمارية. البيئة الفلسطينية تُدمّر ببطء وممنهج، لتجريد الشعب الفلسطيني من حقه في الحياة، والصحة، والكرامة، والسيادة على أرضه.
المجتمع الدولي مطالب بالتوقف عن الصمت أمام هذه الإبادة البيئية، والمساءلة الجادة لكل من يُحوّل البيئة إلى ساحة حرب وانتهاك لحقوق الإنسان. فالدفاع عن البيئة في فلسطين اليوم، هو دفاع عن مستقبل الكوكب بأسره.





