مقالات الخامسة

قطاع غزة – الجغرافيا تُبتلع والديموغرافيا تُخنق اتفاقيات بلا روح، واحتلال بلا ضمير

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: د. جهاد بن جميل حمد

في مشهد يعيد إنتاج نفسه بنمط مختلف ومريع، تتصاعد الاتفاقيات وتتوالى الوعود، فيما تبقى غزة تحت وطأة حصار سيء لا ينتهي، وقتل ممنهج، وتوسع استيطاني بري يلتهم الجغرافيا قبل أن يلتهم الأرواح. فبين كل اتفاق وخريطة طريق، تخرق إسرائيل التزاماتها، وتعلن بأفعالها لا قولها أن “السلام” مجرد كلمة، وأن “الإعمار” وعد دون سند، وأن “وقف إطلاق النار” ليس أكثر من فترة نقاهة قصيرة تعيد فيها ترتيب جرائمها في الابادة الجماعية للفلسطيني بقطاع غزة. تحلل هذه المقالة من منظور سوسيولوجي نقدي، كيف تحولت قطاع غزة إلى مسرح لاستعراض “البيونيكروبوليتيكس” (bio-necro-politics) و”الاستعمار الاستيطاني” (settler colonialism)، حيث تدار الحياة والموت بوصفهما أداتين للسيطرة والإبادة. حيث سأقدم توثيقا دقيقا للمعلومات المنشورة والتي تم جمعها/الواردة، ومن ثم اخضاعها للتحليل السوسيولوجي، مع توثيق شهادات الخبراء والدراسات الأكاديمية الحديثة. (Wall Street Journal, May 2026)

تمدد “الخط البرتقالي” وانكماش الإنسان – قراءة في الجغرافيا السياسية للموت

لم تكن خريطة السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة ثابتة يوما، لكنها أصبحت، منذ أكتوبر 2025، سجلا مفتوحا على جريمة تمدد لا تتوقف. ففي اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة في شرم الشيخ، تقرر أن تنسحب القوات الإسرائيلية خلف “الخط الأصفر”، بحيث تسيطر على 53% فقط من مساحة القطاع. لكن الواقع على الأرض كان أكثر كذبا وتوسعا. فبحلول مايو 2026، شرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في رسم “الخط البرتقالي” (Orange Line)، ليتوسع في سيطرته على نحو 11% إضافية من غزة، ليصل مجموع ما يسيطر عليه أو يقيد الوصول إليه إلى ما بين 64% إلى 68% من مساحة القطاع. (UNOSAT 31 October 2025).

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ما يعنيه هذا، بلغة الجغرافيا السياسية القاسية، هو أن أكثر من مليوني فلسطيني قد حشروا عنوة في شريط ساحلي لا يتجاوز 35% من المساحة الأصلية لغزة. وهذا ليس مجرد احتلال للأرض، بل هو “هندسة ديموغرافية” مقصودة. فتحليلات الأقمار الصناعية تؤكد أن جيش الاحتلال لم يكتفِ بالسيطرة، بل طبق “سياسة اقتنص” (shoot-to-kill policy) لإجبار الفلسطينيين على البقاء داخل مناطق حضرية ضيقة ومكتظة. وقد أدى هذا إلى “كثافة سكانية مرعبة” كما وصفتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، حيث تجاوزت 26 ألف شخص في الكيلومتر المربع الواحد، في غياب تام للبنية التحتية أو الخدمات الأساسية. وقد أكدت خريطة حديثة صادرة عن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسها، وتحديدا منتصف مارس 2026، وجود هذه “المنطقة المقيدة” الجديدة، مما يعني ترحيل آلاف النازحين الفلسطينيين إلى مناطق قد تكون خطرة أو محظورة. (Anadolu Ajansı, 2025).

قراءة سوسيولوجية – الاستعمار الاستيطاني والتفكك المكاني

ما يحدث هنا يتجاوز الاحتلال العسكري التقليدي. إنه نموذج نقي وواضح للاستعمار الاستيطاني (settler colonialism) كما حلله الباحث الراحل باتريك وولف (Patrick Wolfe). فولف لم يرى في الاستعمار الاستيطاني مجرد احتلال للأرض، بل “منطق إزالة مزدوج” (logic of double elimination)، “يدمر ليحل محل” (destroys to replace). وهذا يعني أن الهدف ليس مجرد السيطرة على الأرض، بل تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية للسكان الأصليين، وجعل وجودهم ذاته مستحيلا. (Patrick Wolfe, 2006).

في قطاع غزة، يتم هذا عبر ثلاث آليات وهي – أولا، التوسع المكاني (أكل الجغرافيا)، وثانيا، الحشر السكاني (تهيئة بيئة طاردة عبر الكثافة والعوز)، وثالثا، إعادة توزيع المساعدات كأداة عقاب. وقد وثق باحثون مثل غسان الكحلوت (Ghassan Elkahlout) في دراسته الأخيرة كيف أن سياسات إسرائيل تستخدم القوة العسكرية والحرمان الهيكلي لتسهيل التهجير القسري، وتقديمه تحت شعار “الهجرة الطوعية”.(Ghassan Elkahlout, 2025).

ويضيف المؤرخ إيلان بابيه (Ilan Pappé) أن ما يجري ليس استثناءات، بل استمرار لنكبة 1948، حيث يتم إعادة إنتاج آليات التطهير العرقي بأدوات أكثر تطورا. عليه، “الخط البرتقالي” هو استمرار مادي لسياسة “تدمير ليحل محل”.

إبادة جماعية في وضح النهار – أرقام تتحدث وأجساد تحصى

لقد تجاوزت حرب الإبادة في غزة كل سقف للتوقعات المروعة. فخلال الفترة من أكتوبر 2023 إلى مايو 2026، وثقت وزارة الصحة الفلسطينية والأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 90 ألف فلسطيني، بينهم أكثر من 19 ألف طفل و12 ألف امرأة. ولكن الأرقام لا تقف عند حدود القتل المباشر؛ فهناك أيضا أكثر من 170 ألف جريح، والكثير منهم يعانون بترا في الأطراف، وغزة هي الأعلى عالميا في نسبة الأطفال مبتوري الأطراف.

ولعل الأرقام الأحدث، من مايو 2026، تظهر حجم الاستخفاف بالاتفاقيات. فوفقا لبيانات وزارة الصحة، منذ بدء سريان “وقف إطلاق النار” في أكتوبر 2025، ارتكب جيش الاحتلال 3,005 انتهاكات للاتفاق، أسفرت عن مقتل 904 فلسطينيًا وإصابة 2,713 آخرين. وهذه الانتهاكات لم تتوقف يومًا، بل توزعت بين القصف المباشر للمدنيين، وتدمير أحياء سكنية كاملة، وإطلاق نار متكرر على مناطق النزوح. أما بالنسبة للمساعدات، فما دخل إلى غزة من الغذاء والدواء لم يتجاوز نسبة 7.3% فقط مما نص عليه الاتفاق، في حين يتم منع أكثر من 64% من المساعدات الإنسانية من الدخول. لكن أكثر الإحصاءات إيلامًا هي تلك التي تتحدث عن الهدم الممنهج (domicide). فوفقًا لتحليل الأقمار الصناعية من “UNOSAT” الصادر في أكتوبر 2025، تضررت 81% من جميع المباني في غزة، بما في ذلك تدمير 123,464 مبنى بالكامل. وفي شمال غزة، ارتفعت النسبة إلى 83%. كما دمرت إسرائيل أو ألحقت أضرارًا بـ 88% من المدارس و318 مبنى مدرسي (أي 58% من المنشآت التعليمية). (Palestinian Statistics Report, 2025) &

(UNOSAT – FAO، “Gaza Strip Cropland Damage Assessment, 2025)

التحليل السوسيولوجي – “البيونيكروبوليتيكس” والإبادة الجماعية

لطالما تحدث الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) عن “البيوباور” (bio-power)، أي كيف تدير الدولة الحياة من خلال الإحصاءات والرعاية الصحية والسياسات السكانية. لكن في غزة، شهدنا تحولا أكثر فتكا – ما يمكن تسميته “البيونيكروبوليتيكس” (bio-necro-politics)، كما صاغها الباحث فريدول علام، إدارة الموت من خلال تقنين المعاناة. (Faridul Alam, 2025)

إسرائيل لم تعد فقط تسمح بالموت، بل تديره بحسابات بيروقراطية. ففي قطاع غزة، يسمح بدخول ما يكفي من الغذاء لتجنب مجاعة جماعية فورية (وليس لتجنب الجوع)، ويسمح بدخول ما يكفي من الدواء لمنع انهيار صحي شامل، لكن لا شيء يتجاوز هذا الحد. هذا الأسلوب هو ما أسماه الباحث شاريق الصباح (Shariq Us Sabah) بـ “النكرو-هيومانيتارية” (necro-humanitarianism)، أي تحويل المساعدات الإنسانية نفسها إلى أداة للسيطرة على السكان عبر حرمانها التدريجي.(Shariq Us Sabah, 2025).

في هذا السياق، يقدم الفيلسوف الإيطالي جورجو أجامبين (Giorgio Agamben) مفهوم “الحياة العارية” (bare life)، أي الحياة المجردة من أي حقوق سياسية، والمعرضة للقتل دون أن يعتبر ذلك جريمة. الفلسطيني في قطاع غزة أصبح “الإنسان المقدس” (homo sacer)، الذي يمكن قتله دون عقاب. هذا ما يجعل الموت البطيء (slow death) في غزة ليس مجرد نتيجة ثانوية للحرب، بل سمة بنيوية للنظام الاستيطاني.(Giorgio Agamben, 1998).

ميلادينوف و”مجلس السلام” – إدارة الأزمة أم إدارة الإبادة؟

في مفارقة صارخة، يظهر المبعوث الخاص نيكولاي ميلادينوف (Nickolay Mladenov) والمكلف من “مجلس السلام” بمراقبة الاتفاق، لكنه لم يستخدم موقعه يوما لإجبار الاحتلال الإسرائيلي على وقف القتل، بل حوّل أنظار المجتمع الدولي إلى سلاح المقاومة الفلسطينية.

ففي أحدث تقرير له أمام مجلس الأمن، أقر ميلادينوف بأن القتلى الفلسطينيين بلغوا 850 منذ بدء الهدنة، وأن إسرائيل أخفقت في الالتزام بإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميا، لكنه مع ذلك حمل الفصائل الفلسطينية مسؤولية التعثر، مكررا أن “نزع سلاح حماس ليس قابلاً للتفاوض”. بل إنه قال حرفيا إن العقبة الأساسية هي “رفض حماس القبول بنزع السلاح والتخلي عن السيطرة القسرية”.(The Jerusalem Post, 26 May 2026).

وهنا تبرز المأساة الأخلاقية: إسرائيل تنتهك كل بند من بنود المرحلة الأولى، وتوسع حدودها وتقتل الفلسطينيين، ومع ذلك فإن من المفترض أن تستمر المرحلة الثانية (الإعمار وإدخال المساعدات) فقط إذا سلم الفلسطينيون سلاحهم. هذا المنطق هو عين الابتزاز السياسي، ويذكرنا بنظرية “الدولة الاستثنائية” (state of exception) حيث يتم تعليق القانون في خدمة السلطة.

شهادات الخبراء وردود الفعل

لم يكن ميلادينوف بمنأى عن النقد. فجيرشون باسكين (Gershon Baskin)، المفاوض الإسرائيلي السابق والمحلل السياسي، قال صراحة إن “حماس أبدت استعدادا لبدء عملية نزع السلاح” لكن إسرائيل هي من تعطل ذلك. كما نددت حركة حماس بتصريحات ميلادينوف، معتبرة أنها “تبني الموقف الإسرائيلي وتحاول تبرير التصعيد الإسرائيلي”.

سياسة التجويع والموت البطيء – عندما تصبح المساعدات سلاحا

لعل أكثر ما يميز الإبادة في قطاع غزة هو استمرارها عبر آليات صامتة و ممنهجة، لا تقل فتكا عن القصف. فمنذ مارس 2025، فرضت إسرائيل حصارا كاملا على دخول الغذاء والماء والدواء، مما دفع وكالات الإغاثة إلى التحذير من أن قطاع غزة يتجه نحو المجاعة الوشيكة. وبحلول سبتمبر 2025، صنف التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) جميع سكان قطاع غزة ضمن “المرحلة الرابعة – الطوارئ” ، مع خطر كبير للغاية للوصول إلى “المرحلة الخامسة – المجاعة”. (The New Arab, 25 May 2026).

لكن التجويع لم يكن عشوائيا، بل “هندسة دقيقة” (minutely engineered) كما وصفها خبير المجاعات أليكس دي وال (Alex de Waal)، حيث يتم حساب السعرات الحرارية المسموح بدخولها بدقة لمنع المجاعة السريعة ولكن ضمان المعاناة المستمرة. وهنا يذكرنا الباحثون بنظرية “النكرو-هيومانيتارية” مجددا، فقد حلت الآليات الخاصة محل وكالات الأمم المتحدة، وأصبح توزيع المساعدات خاضعا للإذن العسكري الإسرائيلي المباشر، مما جعل الوصول إلى الغذاء مقامرة مع الموت، كما حدث في يونيو 2025 عندما قتلت القوات الإسرائيلية 51 مدنيا في خان يونس أثناء انتظارهم المساعدات. (pchrgaza.org, 15 March , 2026)

قطاع غزة درس سوسيولوجي في عجز الإنسانية

ما نراه في قطاع غزة ليس مجرد حرب، بل نموذج متكامل للإبادة الاستعمارية، حيث تتعاضد الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة والاقتصاد لابتلاع الأرض وإبادة الإنسان. فالاتفاقيات لا تلوح في الأفق، والضحايا يموتون بصمت، والمجتمع الدولي يتفرج.

إن التطبيق الصارم للمفاهيم السوسيولوجية مثل “البيونيكروبوليتيكس” (Foucault, Agamben, Mbembe) و”الاستعمار الاستيطاني” (Wolfe) و”النكرو-هيومانيتارية” (Sabah) يكشف البنية الكامنة وراء هذه الإبادة: ليست مجرد أعمال عنف، بل نظام حكم قائم على الموت المنظم. وإن استمر الصمت، فسيصبح قطاع غزة شاهدا أبديا على أن الإنسانية تعرف كيف تبني المحارق، لكنها لا تعرف كيف تطفئها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى