مناورة الخليل والكرك: تقاطعات النفوذ الإقليمي ومخطط تفكيك الكيانية الفلسطينية

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: د. جهاد ملكه
يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، شهدت مدنية الخليل عملية عسكرية ضد قوات الاحتلال وادت لمقتل جنديين واصابة اربعة اخريين، وعلى الفور وحتى قبل ان تتضح هوية المنفذيين باركت حركة حماس العملية، واستنفر نتنياهو وحكومته والغوا كل نشاطاتهم الانتخابية وكأنه يقول، ها قد جاءت الهدية من السماء ولا نحتاج بعد الآن لدعاية انتخابية، فالحدث كبير ويجب استغلاله أفضل استغلال، وبالفعل، أعطى أوامره لجيشه بتجريف المنطقة التي وقعت فيها العملية وأيضا ، تهجير سكانها وأطلق عملية عسكرية في الخليل غير مسبوقة منذ حرب ١٩٦٧.
من حق نتنياهو ان يفرح ويرقص على عملية الخليل التي انتظرها تحالف “الفاشية اليهودية” بصبر وربما بذات فرح بعض التنظيمات الفلسطينية، خاصة انها اتت قبل اربعة أيام من أصعب انتخابات مرت على “طويل العمر السياسي” نتنياهو، وفي ظل تبلور الغضب العالمي، كما لم يكن يوما منذ عام 1948 ضد دولة الاحتلال وحكومتها، بل ورئيس حكومتها المطلوب للعدالة الدولية.
وكيف لا يفرح نتنياهو وقد جاءت هذه العملية لتكسر قوة رد فعل عالمي على “الإرهاب اليهودي” ضد نشطاء من دول عدة تضامنوا مع المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية يمنعهم المستوطنين من قطف زيتون ارضهم، وكانت صورهم، خاصة الفرنسيين وصحفية واشنطن بوست المخضرمة عنوانا فاضحا لدولة الاحتلال، لم يجد نتنياهو من طريقة سوى الاعتراف بما فعلوا إرهابا تحت ضغط سفير أمريكا عنده.
سوف يستخدم نتنياهو هذه العملية لإضعاف و تفكيك السلطة الفلسطينية…و الدخول إلى مناطقها و تقليص صلاحياتها كنقطة بداية لتدمير أي نواة للكيانية الفلسطينية.
شَكَّلَتْ عملية الخليل الذريعةَ التي طالما انتظرتها حكومةُ نتنياهو الاستيطانية لإحكام قبضتها على الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، وتدشين مرحلة جديدة من “التطهير العرقي” في المحافظة، على غرار ما شهدته مخيمات شمال الضفة الغربية؛ حيث دفع أكثر من خمسين ألف فلسطيني ثمن النزوح والتغريب الداخلي، مما يجعل أهداف التحالف اليميني الحاكم في تهجير السكان وفرض السيادة الكاملة أكثر واقعية واقتراباً من التحقق، ويتجلى هذا المخطط في ممارسة البطش وتوظيف فائض القوة العسكرية لتحويل الضفة الغربية إلى “غزة جديدة” عبر تصعيد هدم المنازل، وتكثيف عمليات الإخلاء القسري، وتجريف المقومات الأساسية للعيش. وتستهدف هذه الإجراءات المتدرجة خلق بيئة طاردة للسكان تجعل الحياة اليومية شبه مستحيلة، للوصول إلى التهجير الناعم والدفع نحو الهجرة. وفي الوقت ذاته، تتجه إسرائيل لإخضاع كامل الضفة الغربية لسيطرتها الأمنية المباشرة والمطلقة، رافضة إسناد أي دور أمني لأي طرف آخر، بغض النظر عن مدى جاهزيته للتنسيق الأمني معها.
لقد شكلت عملية الخليل المخرجَ السياسي والذريعة التي طالما سعت إليها قيادات اليمين الاستيطانيّ المتطرف، ممثلة بـ سموتريتش وبن غفير، لاستكمال مخطط تهويد المحاورِ الطرقية الرئيسية في الضفة الغربية. ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز التواجد الاستيطاني وتثبيت الركائز الديموغرافية والأمنية لـ «دولة المستوطنين»، في مقابل تفتيت المدى الجغرافي الفلسطيني وفصل القدسِ والضفة الغربية عن امتدادهما الطبيعي والسياسي.
وفي توقيت لافت، تزامنت عملية الخليل مع اعتداء استهدف بلدة حمود بمحافظة الكرك، أسفر عن اغتيال وإصابة العشرات من مشيعي جنازة أمام كنيستها، في سابقة تاريخية غير معهودة في الأردن. وبينما لا تتطلب الجريمة جهداً استخباراتياً لتحديد المنفذين المباشرين كجماعة متطرفة، فإنها تندرج سياسياً وأمنياً ضمن مسار الاستهداف المستمر لزعزعة أمن المملكة واستقرارها الإقليمي، بما يخدم أجندات وإستراتيجيات إقليمية تسعى لتفجير الساحة الأردنية من الداخل.
لا يمكن لأي قراءة تحليلية واعية لحساسية التموضع الأمني والجيوسياسي في المنطقة أن تفصل بين عملية الخليل وتطورات الكرك، إذ تتكثف تقاطعات الجريمتين في معادلتي التوقيت والمستفيد، وهو ما يوجه أصابع الاتهام نحو مسارين محددين لا ثالث لهما يتقاسمان الغاية ذاتها في زعزعة الاستقرار وإعادة رسم خريطة الإقليم:
أولاً ايران:د، حيث تبرز كطرف معني بتصعيد الأوضاع في الضفة الغربية لمواجهة نتنياهو عشية الانتخابات. وإلى جانب مساعيها لزعزعة المرتكزات الأساسية للأمن القومي العربي عبر تحريك جبهة الحوثيين ضد السعودية، فإنها تتجه نحو إرباك الساحات التي تشكل خط دفاع حيويا للخليج وفي مقدمتها الأردن واستقراره. كما تهدف هذه التحركات إلى إرسال رسالة ردع صارمة لعمان مفادها أن الاستمرار في استضافة التواجد العسكري الأمريكي سيجعل الساحة الأردنية عرضة لارتدادات أمنية واسعة.
ثانيا إسرائيل؛ حيث تسعى حكومة نتنياهو وحلفاؤها في اليمين المتطرف إلى توجيه رسالة حاسمة لقاعدتهم الانتخابية مفادها أن مخطط فرض السيادة على الضفة الغربية وبدء التهجير القسري لسكانها قد دخل مرحلة التنفيذ الفعلي انطلاقاً من المربع الأكثر حساسية وررمزية في الخليل.
وفي الساحة الأردنية، تتقاطع مصلحة تل أبيب في تكريس حالة من عدم الاستقرار الأمني لدفع عمّان نحو خيارات اضطرارية تعزز الارتهان الأمني والاستخباراتي لغرفة العمليات الإسرائيلية، بالتوازي مع التمهيد لمخططات التهجير، مع القدرة على توظيف شماعة “التمدد الإيراني” للتنصل من المسؤولية.
وفي هذا السياق، لم تعد التنظيمات الإرهابية المسلحة، وفي مقدمتها “داعش” سوى أداة وظيفية وأذرع استخباراتية تُنفذ العمليات القذرة لحساب قوى إقليمية متعددة تقاسمت النفوذ والسيطرة عليها. وبصرف النظر عن الجهة المباشرة الموجهة لهاتين الحادثتين، فإن الأهداف الاستراتيجية لكل من إسرائيل وإيران تلاقت عند نقطة واحدة، مستفيدة من جاهزية هذه المجموعات الوظيفية للعمل كمرتزقة عابرين للحدود.
جريمة الكرك الإرهابية البشعة ستعد محطة فاصلة في السياسة الأمنية الأردنية تجاه الجماعات المتطرفة والفكر الضال الذي يحاول التسلل تحت ذريعة الحريات. إن هذه الجماعات عدوة لنفسها وللمجتمع، ومن الواجب التعاطي معها بحزم وصرامة دون منحها أي مساحة للتحرك أو التأثير. ولعل الخطوة الأولى والأكثر أهمية تبدأ من اجتثاث هذا الفكر من سلك التربية والتعليم وخصوصا وان كان متستر بثياب المربي الواعظ.
إن ما شهدته الساحتان الأردنية والفلسطينية في الكرك والخليل لا يعدو كونه مناورة واختباراً لنمط جديد من ارتدادات حالة اللا حرب واللا سلم التي تخيم على المنطقة حيث تسعى كل من إسرائيل وإيران للحصول على مخرج سياسي يُسوَّق كـ “نصر استراتيجي”. ومن هذا المنطلق، ستتوالى المحاولات لزعزعة استقرار الإقليم وتصعيد الأوضاع في فلسطين، في مغامرة جيوسياسية خطيرة قد تنتهي بتصفية الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية وتمرير مخططات التهجير القسري، بينما يمارس الطرفان ضغوطا متزايدة على دول المنطقة لإجبارها على الاصطفاف خلف أجنداتهما.
وتعكس هذه التطورات تهديدا وجوديا وغير مسبوق للأمن القومي العربي، الذي بات يعيش حالة من الانكشاف والتراجع الاستراتيجي والحاجة الماسة للإنعاش. ولا تتوقف المراهنة هنا على قرارات الحكومات فحسب، بل تتطلب إطلاق استراتيجية توعية شعبية تتجاوز وسائل الإعلام الموجهة؛ بحيث يدرك المواطن العربي أن مستقبل المنطقة برمتها بات على المحك، وينتبه الشارع الفلسطيني إلى أن قضيته تنزلق نحو مسار بالغ الخطورة يتطلب استعادة الوعي الوطني لإعادة إحيائها قبل فوات الأوان.





