تقاريرثابت

موسم الزيتون في غزة.. أشجار أقل وأسواق راكدة ومزارعون فقدوا مصدر رزقهم

الخامسة للأنباء - غزة

يحلّ موسم الزيتون الثالث في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مثقلًا بخسائر طالت الأراضي الزراعية والأشجار والمعاصر، وأضعفت قدرة آلاف الأسر على الاعتماد على المحصول مصدرًا للغذاء والدخل.

ولم يقتصر أثر الحرب على تراجع الإنتاج؛ إذ انعكست زيادة تكاليف الزراعة والعصر وصعوبة توفير مستلزماتهما على الأسواق المحلية أيضًا. وبين مزارعين فقدوا أراضيهم وأشجارهم، ومعاصر تكافح لتغطية نفقات تشغيلها، ومواطنين تراجعت قدرتهم الشرائية، يتقلّص حضور الزيتون في الحياة اليومية للغزيين.

“فقدت أرضي وزيتوني ومصدر دخلي”

في منطقة ميراج شمالي رفح، كان المزارع محمد ضهير يعتمد على أرضه وأشجار الزيتون لتأمين مصدر دخل لأسرته. لكن الحرب والنزوح أبعداه عن أرضه، وهو يقيم حاليًا في مواصي خان يونس.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ويقول ضهير إن فقدان الأرض وأشجار الزيتون لم يحرمه من المحصول فحسب، بل أفقده مصدر رزقه، مضيفًا: «الألم كبير حين ترى أرضك وأشجارك التي تعبت في رعايتها، ثم تُحرم منها وتفقد معها مصدر دخلك. أنا نازح بعيد عن أرضي، ولا أعرف متى أستطيع العودة إليها أو استعادة ما فقدته».

وأضاف: “أن موسم الزيتون كان يمثل بالنسبة إليه فرصة سنوية للعمل وتأمين احتياجات أسرته، لكن الحرب غيّرت هذا الواقع، تاركةً إياه أمام خسارة الأرض والمحصول ومصدر الدخل معًا”.

وفي منطقة المصدر بالمحافظة الوسطى، يستعيد المزارع عمر المصدر مواسم ما قبل الحرب، حين كان يجني كميات أكبر من أرضه، التي تحولت لاحقًا إلى مأوى للنازحين مع اتساع حركة النزوح ونقص المساحات المتاحة لإقامة الخيام.

ويقول المصدر إن إنتاج أرضه كان يتراوح في بعض المواسم بين خمسة وعشرة أطنان من الزيتون، بينما لا يتجاوز حاليًا نحو طن أو طنّين. ويشير إلى أن إقامة خيام النازحين في الأرض ألحقت أضرارًا بالأشجار، كما تضرر بعضها جراء تصريف مياه الجلي والغسيل المحمّلة بمواد التنظيف بالقرب منها.

ولم تقتصر الأضرار على ذلك؛ إذ اقتُلعت فروع من أشجار الزيتون لاستخدامها حطبًا للطهي وإشعال النار، في ظل أزمة الغاز التي عانى منها القطاع خلال فترات طويلة من الحرب.

ويواجه المصدر صعوبة في استعادة العناية بأرضه وحراثتها، في ظل ارتفاع تكاليف تشغيل الآلات، إلى جانب زيادة أسعار الأسمدة وتراجع الكميات المتاحة منها. كما تحتاج الأشجار إلى الرش ومكافحة الآفات والرعاية المستمرة، وهي مستلزمات بات توفيرها أكثر صعوبة وكلفة.

ورغم هذه التحديات، ينتظر المصدر موسم الزيتون كل عام لاعتماده عليه في تأمين دخل أسرته، لكن تراجع المحصول يعني انخفاض العائد مقارنة بما كان يحققه قبل الحرب.

خسائر تطال الأراضي والأشجار والمعاصر

وتشير بيانات المركز الحكومي للإعلام إلى تراجع مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في قطاع غزة من نحو 50 ألف دونم قبل الحرب إلى قرابة خمسة آلاف دونم حاليًا، فيما انخفض عدد الأشجار من نحو مليوني شجرة إلى قرابة 150 ألفًا.

ووفق البيانات، تراجع إنتاج ثمار الزيتون من نحو 40 ألف طن سنويًا قبل الحرب إلى قرابة خمسة آلاف طن حاليًا، بينما انخفض إنتاج زيت الزيتون من نحو خمسة آلاف طن إلى نحو 700 طن.

وامتدت الخسائر إلى المعاصر، إذ انخفض عددها من نحو 40 معصرة قبل الحرب إلى سبع معاصر عاملة حاليًا. وانعكس ذلك على الأنشطة المرتبطة بالموسم، بدءًا من جني المحصول ونقله، وصولًا إلى عصره وإنتاج الزيت وتعبئته.

ارتفاع الأسعار يقلّص مشتريات الأسر

ويقول تاجر الزيتون طاهر الإمام إن سعر الرطل الذي يشتريه من أصحاب الأراضي بلغ هذا الموسم نحو 40 شيكلًا، مقابل نحو عشرة شواكل قبل الحرب. ويشير إلى أنه بات يشتري كميات أقل من الثمار، يخصص معظمها للبيع للمواطنين بغرض التخليل، بما يتناسب مع قدرتهم الشرائية.

وأوضح أن الأسر كانت تشتري قبل الحرب كميات أكبر من الزيتون لتخليله والاحتفاظ به طوال العام؛ إذ كانت الأسرة المتوسطة تشتري ما لا يقل عن خمسة أرطال، فيما كان الراغبون في عصر الزيتون يشترون نحو 33 رطلًا أو أكثر. أما اليوم، فكثير من المواطنين لا يشترون أكثر من رطلين أو ثلاثة.

وتعرف الرطل بأنها وحدة قياس للوزن تُستخدم في بعض الأسواق لبيع السلع، ومنها الزيتون، ويختلف وزنه بحسب البلد والعُرف المحلي.

وأضاف الإمام: “أن الإقبال على شراء الزيتون بغرض العصر تراجع بسبب ارتفاع كلفة عصر الكيلوغرام إلى نحو أربعة شواكل، فضلًا عن ثمن الثمار وتكلفة نقلها إلى المعصرة، ما يرفع الكلفة الإجمالية لإنتاج الزيت إلى مستويات تفوق قدرة كثير من الأسر”.

ولفت إلى أن بعض المستهلكين يتجهون إلى شراء الزيت المستورد، الذي يصل سعر اللتر منه إلى نحو 35 شيكلًا، باعتباره أقل كلفة من شراء الثمار ونقلها وعصرها، رغم اختلاف الجودة بين المنتجين.

وبحسب الإمام، تبدو حركة البيع هذا الموسم أضعف مما كانت عليه قبل الحرب، سواء بالنسبة إلى الزيتون المخصص للتخليل أو ذلك المخصص للعصر، في ظل ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

دعم المزارعين والمعاصر ضرورة

وقال المدير العام للإدارة العامة للتنمية الزراعية ورئيس لجنة معاصر الزيتون، المهندس شاهر الريفي، إن الكمية المتوقعة من ثمار الزيتون هذا الموسم لا تعني بالضرورة إنتاج الكمية نفسها من الزيت؛ إذ سيُخصّص جزء من المحصول للتخليل، فيما تتأثر الكميات التي تصل إلى المعاصر بارتفاع تكاليف العصر.

وأشار الريفي إلى أن المعاصر العاملة تواجه ارتفاعًا في تكاليف الصيانة وقطع الغيار، وصعوبة في توفير بعضها، إلى جانب أزمة الطاقة والاعتماد على المولدات التي تعمل بالوقود.

وأوضح أن تشغيل مولد بقدرة نحو 200 كيلو فولت أمبير يحتاج إلى قرابة 20 لترًا من السولار في الساعة، فضلًا عن زيوت المحركات وتكاليف الصيانة، ما يزيد الأعباء التشغيلية خلال الموسم.

ويرى الريفي أن الحفاظ على ما تبقى من القطاع يتطلب مساندة أصحاب المعاصر في تغطية تكاليف الطاقة والوقود وزيوت المحركات والعمالة الفنية، إلى جانب دعم المزارعين في جني الثمار واستصلاح الأراضي المتاحة وزراعتها، بما يساعد على حماية الأشجار واستعادة القدرة الإنتاجية تدريجيًا.

وبين تراجع المحصول وارتفاع تكاليف الإنتاج، لا يقتصر التحدي الذي يواجه مزارعي غزة على إنقاذ موسم الزيتون الحالي، بل يمتد إلى استعادة قدرتهم على زراعة أراضيهم وتأمين مصدر رزقهم في المواسم المقبلة، في ظل خسائر تهدد استمرارية هذا القطاع الزراعي الحيوي وقدرته على توفير الغذاء والدخل لآلاف الأسر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى