مقالات الخامسة

نصف فرح…

زينة شعت

الخامسة للأنباء - غزة

خدعتنا المدارس قديماً حين تعلمنا أن السنة فيها أربعة فصول، لم يعلمونا شيئاً عن الفصل الخامس، فصل الحرب الذي يمتد على مدار العام، فصل لا يُشبه الحياة ولا الموت، بل يقف بينهما عالقاً وسط زحمة القذائف والجنائز.

هربتُ من زحمة يومي إلى فرح جارتي في الخيمة؛ عروس بفستانٍ أبيض تخرج من بين ركام منزلها وشتات حياتها وبقايا حارتها، لتبدأ حياتها على نهايات مفتوحة تخشى الموت والفقد والنزوح، وأسمى أمنياتها الاستقرار في خيبة وخيمة جديدة.

ترتدي فستانها الأبيض كإعلانٍ صامت أنها تحاول النجاة من الحياة إلى الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً. وأمُّها… لم تكن تفكّر بالزينة وتفاصيل النساء التي غدت تافهة في ظل هذه المواجع، كان كلُّ همّها أن تمرَّ هذه الليلة بسلام، دون أن يخطف الحزنُ ابتسامة كانت قد خبأتها في صدرها ليوم العرس.

كانت الأم تُرتّب الفستان بيدٍ، تبتسم بقلق، وتجتهد في أن تقنع نفسها أن كل شيءٍ سيكون بخير. شارف الفرح على الانتهاء، ومشت العروس إلى بابٍ من (الزينكو) مليءٍ بالصدأ كما وجوه النساء الملطخة بزينة كاذبة. مشت العروس دون زغاريد، تحمل ثِقَل ما مرّ وتخبئ خوفها من المجهول.. تمشي نحو بدايةٍ جديدة على أرضٍ توشك على الانهيار دون موسيقى تُشبه الأعراس.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

نصف فرح..

نصف ابتسامات..

نصف دعوات..

نصف وداع..

وزغاريد بكاتم الصوت..

هكذا كان الفرح.. فما أبشع النصف!

وسط كل ذلك كان هناك شيءٌ يحدث، شيء رأيته دون أن أراه؛ رأيت في كل هذا العبث حياة تتحدى الموت وتعانده وتصرخ في وجهه أن الحكاية **لم تنتهِ** بعد. فهمت في تلك الليلة أن الحياة تُنتزع ولا تُوهب، وأن الضحك مقاومة، وأن نحتفل لأننا نرفض أن نؤجّل الحياة إلى إشعارٍ آخر. وأن العروس كانت تُثبت لنا أن الحياة وهي مُثقَلة بالموت، تجد دائماً طريقةً لتستمر.. حتى لو بنصف فرح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى