هناك الطيبات.. وهنا الموجودات

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: محمود سنقرط
في دولٍ كثيرة، يسأل الناس أنفسهم: ماذا نأكل لنعيش بصحة أفضل؟ أما هنا، فالسؤال مختلف تماماً: ماذا نستطيع أن نشتري أصلاً؟
في الآونة الأخيرة، برزت قضية “نظام الطيبات” الغذائي، وكثر الجدل حولها بين مؤيدٍ ومعارض. فهناك من يبحث عن نظام غذائي متوازن يقيه الأمراض أو يساعده على بناء صحة أقوى، وهنا نتحدث عن قرار شراء مبني على توصيات صحية لا علاقة مباشرة لها بالسعر، الذي يُعد جزءً أساسياً من أي قرار شرائي. وبالتالي، فإن القدرة الشرائية تكون مرتفعة نسبياً، لأنها تتيح خيارات متعددة تعكس مستوىً من الرفاهية.
أما هنا في فلسطين، فالقضية مختلفة تماماً. لا شك أن هناك العديد ممن اتبعوا هذا النظام الغذائي أو غيره من الأنظمة الغذائية، لكن الغالبية العظمى تبني قرار الشراء بناءً على السعر، ليس بسبب غياب الوعي، بل لأن الأزمات الاقتصادية المتراكمة جعلت القرار الاستهلاكي قائماً على ما هو متاح وممكن.
فعلى سبيل المثال، عزَا بعض المحللين انخفاض أسعار الدواجن والبيض في الآونة الأخيرة إلى اتباع شريحة من المواطنين لنظام “الطيبات”. لكن الحقيقة أن هذا الانخفاض جاء نتيجة زيادة العرض وتراجع الطلب بسبب ضعف القدرة الشرائية، وليس نتيجة مقاطعة هذه المنتجات. فشريحة المستهلكين بقيت، إلى حد كبير، كما هي، بينما انخفضت قيمة المشتريات وحجم الاستهلاك.
وتأكيداً على ذلك، فقد تغيرت أنماط الشراء بشكل ملحوظ، وأصبح المواطن يركز على الاحتياجات الأساسية فقط. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، من أبرزها ارتفاع مؤشر غلاء المعيشة بأكثر من 10% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنحو 36%، في حين تراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بنسبة تقارب 35%.
وعندما تنخفض القوة الشرائية للمواطن الفلسطيني بهذه النسبة خلال عام واحد، لا يعود الحديث عن الغذاء الصحي أو الأنظمة الغذائية المتخصصة أولوية، بل يصبح نوعاً من الرفاهية التي يصعب الوصول إليها. عندها يتحول الاهتمام إلى تأمين الاحتياجات الأساسية، لأن المشكلة ليست في عدم معرفة الناس بالطعام الأفضل أو الأكثر فائدة، بل في محدودية قدرتهم على الاختيار والتنوع.
وحين تنخفض الأجور، وترتفع معدلات البطالة، وتزداد الأسعار، وتتراجع فرص العمل، يتحول “نظام الطيبات” إلى رفاهية بعيدة المنال بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، بينما يصبح “نظام الموجودات” واقعاً مفروضاً على آلاف الأسر الفلسطينية.





