مقالات الخامسة

وحدة فتح ليست فاتورة .. بل استحقاق وطني

الخامسة للأنباء - غزة

د. عماد عمر
اكاديمي وباحث سياسي

من السهل أن نختزل الخلاف داخل حركة فتح في عبارات من نوع “البيت الفتحاوي الواحد”، ومن السهل أيضاً أن نصف مطالب أبناء فتح بأنها “فاتورة” أو محاولة لفرض شروط، لكن الأصعب والأكثر مسؤولية هو أن ننظر إلى الصورة كاملة، ماذا يحدث لشعبنا؟ وماذا تبقى من المشروع الوطني؟ وأين تقف فتح من كل ذلك؟

وحدة فتح ليست مصلحة تنظيمية خاصة بفتح وحدها، بل مصلحة وطنية فلسطينية بامتياز، فحين تصلح فتح، يصلح جزء أساسي من المشروع الوطني، وحين تستعيد فتح عافيتها ووحدتها ودورها، يستعيد النظام السياسي الفلسطيني أحد أهم أعمدته. لذلك فإن معالجة الانقسام داخل فتح ليست ترفاً ولا صفقة بين أطراف متخاصمة، وإنما مسؤولية وطنية.

أما الحديث عن حقوق أبناء فتح، فلا ينبغي تقديمه وكأنه “فاتورة شخصية”. هناك أبناء للحركة تعرضوا للفصل والقطع والعقوبات واتخذت بحقهم قرارات مجحفة وغير قانونية، ومن حقهم الطبيعي أن تُراجع هذه القرارات وأن تُرد لهم حقوقهم، المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على مطالبة المظلوم بنسيان مظلمته قبل إنصافه.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

لكن السؤال الأكبر اليوم، هل يحتمل شعبنا أن نبقى أسرى الخلافات والحسابات التنظيمية؟

هناك نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة يعيشون آثار حرب ودمار غير مسبوقين، وهناك أهلنا في الضفة الغربية يواجهون يومياً تغول الاستيطان ومصادرة الأرض وتوسعه، فيما المشروع الوطني نفسه يواجه أخطر مراحله.

هناك مرضى ينتظرون السفر لتلقي العلاج، ومن بينهم نحو 20 ألف مريض يحملون تحويلات علاجية ولا يستطيعون الوصول إلى المستشفيات خارج القطاع، بينما الوقت بالنسبة للمريض ليس مساحة للمناورة السياسية، الوقت بالنسبة له حياة أو موت.

وهناك مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في الخيام، يواجهون حرارة الصيف القاسية والحشرات والقوارض، في ظروف إنسانية لا تليق بكرامة الإنسان.

وهناك نحو 90 ألف طالب أنهوا الثانوية العامة ويبحثون عن حقهم في التعليم الجامعي، بينهم من حصل على منح دراسية في جامعات خارج فلسطين، لكنه عاجز عن السفر والوصول إلى مقعده الدراسي، أي مستقبل وطني نبنيه إذا كان شبابنا يخسرون سنوات عمرهم وهم ينتظرون فرصة التعليم؟

في ظل كل هذه المآسي، يصبح السؤال مشروعاً وضرورياً:

ألا يكفي كل هذا لكي نغلب مصلحة فتح ومصلحة الوطن على المصالح الشخصية والحسابات الضيقة؟

التحالف مع حماس أو الحوار معها يمكن أن يكون موضع نقاش سياسي، وكذلك إعادة بناء منظمة التحرير وإصلاح النظام السياسي وإعادة ترتيب البيت الفتحاوي، لكن لا ينبغي أن تتحول هذه الملفات إلى جدران تمنع الوصول إلى نقطة الالتقاء.

فالتيار حين يطرح مطالبه لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خصماً يريد ابتلاع فتح، وفتح حين تتمسك بوحدتها لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها تريد إلغاء الآخرين، المطلوب ليس أن يبتلع طرفٌ طرفاً، وإنما أن ينتصر المشروع الوطني على الجميع.

ومن هنا، فإن إشراك مختلف الفصائل في حوار وطني شامل ليس بالضرورة نقطة ضعف، بل يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والمسؤولية الوطنية، لا على قاعدة الإقصاء والاستفراد.

نعم، الفجوة كبيرة، وهناك سنوات من الخلاف والألم والقطيعة، لكن الفجوات السياسية تُردم عندما تتقدم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة.

اليوم، غزة لا تحتاج إلى مزيد من البيانات المتبادلة، والضفة لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، وفتح لا تحتاج إلى جولة جديدة من الصراع الداخلي.

غزة تحتاج إلى من ينقذ أهلها، والضفة تحتاج إلى من يحمي أرضها، وشباب فلسطين يحتاجون إلى مستقبل، وفتح تحتاج إلى استعادة وحدتها، والمنظمة تحتاج إلى إعادة بناء، والمشروع الوطني يحتاج إلى جبهة فلسطينية موحدة.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من ذهب إلى الاجتماع ومعه فاتورة أكبر؟

السؤال الحقيقي هو: هل نستطيع أن نذهب جميعاً إلى المستقبل بورقة واحدة عنوانها فلسطين؟

إذا كان ثمن وحدة فتح هو إنصاف المظلومين، وإعادة الحقوق لأصحابها، وإصلاح الحركة، وإعادة بناء منظمة التحرير، وفتح حوار وطني شامل، فهذا ليس ثمناً باهظاً، بل هو استحقاق تأخر كثيراً.

وفي المقابل، إذا كان المطلوب من أبناء فتح أن يتخلوا عن قناعاتهم وحقوقهم مقابل مصالحة شكلية، فلن تكون تلك وحدة حقيقية، بل هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة.

الوقت لم يعد يسمح بأن ينتصر الأشخاص على القضية.
ولا أن تنتصر الحسابات التنظيمية على وجع الناس.
ولا أن يبقى مستقبل شعب كامل رهينة خلافات الماضي.

فلنختلف كما نشاء على السياسة، لكن لنتفق على شيء واحد: أن فلسطين أكبر من الجميع، وأن وحدة فتح ليست نهاية الطريق، لكنها قد تكون إحدى أهم بوابات إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى