
الخامسة للأنباء - غزة
1000 يوم من الطفولة المسلوبة والأحلام المؤجلة.. في غزة حين تصبح الحرب لغة الحياة اليومية في غزة.. تقرير خاص إعداد: آمنة غنام
في غزة، لا تقاس الأيام بالتقويم، بل بما تتركه من فقدٍ وحرمان. وبعد مرور ألف يوم لم تعد الحرب حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت الإطار الذي يحيط بكل تفاصيل الحياة. حتى بالنسبة للأطفال الذين لم يعرف بعضهم عالمًا خارج الخيام، وللكبار الذين يحاولون الحديث عن أي شيء آخر، لكن الواقع يعيدهم في كل مرة إلى النقطة ذاتها.
لم تعد الحرب مجرد كلمة تقال، بل بيئة ولد فيها أطفال، وكبر فيها آخرون، وتشكلت داخلها أحلام جيل كامل. حتى أصبحت الخيمة بالنسبة لكثيرين عنوانًا للطفولة، واللجوء أسلوب حياة، والحرمان جزءًا من تفاصيل اليوم.
طفولة تبدأ تحت سقف من القماش
في خيمة نزوح متآكلة، يفتح خالد عينيه كل صباح على سقف من القماش، لا يعرف غرفة نوم، ولا نافذة تطل على حديقة، ولا سريرًا احتضنه في ليلة هادئة.
ولد خالد خلال الحرب، ولم ير من العالم سوى المخيمات، وصفوف المياه، وأصوات الطائرات، والخوف الذي يرافق تفاصيل يومه.
وبينما يحتفل أطفال العالم بأعياد ميلادهم في منازلهم، يحتفل أطفال غزة بإتمام عام جديد داخل خيام النزوح، حيث تكبر أعمارهم بينما تتآكل طفولتهم.
جيل يتعلم داخل الخيام
بينما تستعد الطفلة ورد للذهاب إلى خيمة تعليمية مؤقتة، تدرك أن تلك الخيمة اختصرت المدرسة بكل فصولها وساحاتها ومرافقها. وصارت هي الحل الوحيد المتاح، يتعبها الحر والحشرات وازدحام الطلاب وافتراش الأرض.. ولكن لا بديل .
يتلقى الأطفال دروسهم في ظروف قاسية؛ أقمشة تغرق مع أمطار الشتاء. وتتحول إلى أفران تحت حرارة الصيف.
لم تعد المدرسة مجرد مكان للتعليم، بل أصبحت حلمًا مؤجلًا بالنسبة لآلاف الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة لأشهر طويلة. وبعضهم لما يقارب ألف يوم، بعد تدمير المدارس أو تحويلها إلى مراكز إيواء، واستمرار النزوح وصعوبة الوصول إلى بيئة تعليمية مستقرة.
وفي الوقت الذي كان يفترض أن يتعلموا فيه القراءة والرياضيات والعلوم. وجد كثير منهم أنفسهم يتعلمون كيف ينتظرون دورهم للحصول على الماء، أو يقفون في طوابير الطعام، أو يساعدون أسرهم في تدبير احتياجات الحياة اليومية.
عندما تتغير مفردات الطفولة
يحاول الأطفال صناعة عالمهم الخاص رغم كل شيء. يتحدثون عن الألعاب والرسوم المتحركة وأصدقائهم، لكن مفرداتهم لم تعد كما كانت.
أصبحت كلمات مثل “الخيمة”، و”التكية”، و”المساعدات”، و”النزوح” جزءًا من قاموسهم اليومي. دون أن يشعروا بأنها كلمات استثنائية، لأنها ببساطة أصبحت واقعهم الطبيعي.
حتى ألعابهم تغيرت؛ فالأزقة الضيقة بين الخيام تحولت إلى ساحات للعب. وقطع البلاستيك والأخشاب أصبحت ألعابًا يصنعون منها ما تبقى من طفولتهم.
هل يستطيع الغزيون قضاء يوم بلا كلمة “حرب”؟
إذا طلب من أحد سكان غزة أن يقضي يومًا كاملًا دون أن ينطق بكلمة “حرب”. فقد يبدو الطلب بسيطًا، لكنه في الحقيقة شديد الصعوبة.
فبعد ألف يوم من الحرب باتت الأحاديث تبدأ بالخبز، والمياه، والكهرباء، ووسائل المواصلات، والأسعار، وأخبار الأقارب. لكنها سرعان ما تتقاطع مع واقع النزوح والدمار والفقد وانتظار المساعدات وإعادة الإعمار.
حتى حين يحاول الناس استعادة شيء من حياتهم الطبيعية، يبقى الواقع حاضرًا. ففي المقاهي القليلة التي عادت للعمل، يناقش الشباب مباريات كرة القدم ونتائج كأس العالم 2026.
ويتحدث آخرون عن الدراسة أو التكنولوجيا أو فرص العمل، لكن كثيرًا ما تنتهي هذه الأحاديث بعبارات مثل: “لو كانت الظروف مختلفة”، أو “قبل ما تتغير حياتنا”.
الحرب التي أعادت تشكيل اللغة
في الأسواق، يتحدث الباعة عن الأسعار وجودة البضائع، وفي المجموعات التعليمية يناقش الطلبة مستقبلهم الدراسي. بينما تتبادل الأمهات وصفات الطعام بما توفر من مكونات، لكن الظروف العامة تبقى حاضرة في خلفية كل نقاش. لأنها تؤثر في القدرة على الشراء، والتعليم، والعمل، والتنقل.
يقول أبو فادي العسقلاني النازح في مواصي خانيونس : “نحاول أن نتحدث عن أي شيء،عن الرياضة، وعن الذكريات. وعن المستقبل، لكن ما نعيشه يفرض نفسه في النهاية.”
ويضيف : “لسنا أسرى كلمة واحدة، بل أسرى واقع يجعل كل الطرق تؤدي إليها.”
أحلام لا تزال تبحث عن مكان آمن
في غزة حين يسأل الأطفال عن أمنياتهم، لا يطلب معظمهم ألعابًا جديدة أو رحلات ترفيهية. بل يتمنون بيتًا يحميهم من الحر والبرد، ومدرسة يعودون إليها، وسريرًا ينامون عليه بأمان، وأن يجتمع شمل عائلاتهم من جديد.
ورغم كل شيء، لا تغيب مظاهر التمسك بالحياة. حفلات زواج متواضعة، وأطفال يبتكرون ألعابهم من مواد بسيطة.
وشباب يخططون لمشاريع صغيرة، وعائلات تجتمع حول وجبة متواضعة أو مباراة لكرة القدم..إنها محاولات يومية لإثبات أن الحياة لا تختصر في المأساة وحدها.
ألف يوم.. وما زال الأمل حيًا
ربما يستطيع الغزيون الحديث عن الحب، والتعليم، والعمل، والرياضة، والطعام، والمستقبل. لكن واقعهم يبقى حاضرًا في خلفية كل جملة، ليس لأنه الموضوع الوحيد الذي يريدون الحديث عنه. بل لأنه الإطار الذي فرض نفسه على تفاصيل حياتهم.
ففي غزة، كبر الأطفال قبل أوانهم، واكتسبت الكلمات معاني جديدة، لكن الأمل، رغم كل ما حدث، لا يزال يقاوم.
ففي كل دفتر ممزق، وكل لعبة صُنعت من بقايا الحياة، وكل حلم ببيت ومدرسة ومستقبل. يواصل الغزيون كتابة فصل جديد من حكاية الصمود، بانتظار اليوم الذي تستعيد فيه الطفولة حقها في أن تكون طفولة فقط. وأن يعود المواطنون لحياتهم قبل أن تتغير.





