مقالات الخامسة

غزة: ملامح الروح في مهب الانهيار..

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: سعيد أبو غـــــــزة

في أزقة مخيمات النزوح المكتظة بالوجع فوق رمال غزة المكلومة، حيث تتماهى الحدود بين السماء والأرض تحت سحب الدخان، لا يدور الصراع حول حدود الجغرافيا فحسب، بل في أعمق طبقات النفس البشرية.

بعد أكثر من عامين ونصف من إبادة لم تدع حجراً على حجر، ولا أملاً إلا وخدشته، برزت معضلة “الأخلاق” كأخطر جبهة يُخشى انكسارها. إنها ليست حرباً على الأجساد فقط، بل هي زلزال يضرب “البنية الفوقية” للمجتمع، محولاً القيم التي كانت يوماً قوام الحياة إلى ترفٍ بعيد المنال.

تبدأ الحكاية من “الخيمة”، هذا الكيان الهش الذي لا يحمي خصوصية ولا يصد ريحاً. هنا، حيث يغيب القانون وتتلاشى مؤسسات الضبط، يجد الإنسان نفسه وجهاً لوجه مع غريزته الأولى. يقول عالم الاجتماع إميل دوركايم: إن المجتمع هو الذي يخلق الأخلاق عبر مؤسساته. فإذا ما انهارت تلك المؤسسات، من مدرسةٍ أُغلقت أبوابها لعامين، وقانونٍ غاب حُماته، وسوقٍ ساد فيه الاحتكار، دخل المجتمع حالة “الأنومي” أو اللانظام.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

في غزة اليوم، الطفل الذي كان مقعده الدراسي يُهذّب سلوكه، بات يرى في “الشطارة” والمراوغة وسيلة للحصول على حصة ماء إضافية، والشاب الذي فقد مستقبله المهني بات يرى في القوة البدنية سلطته الوحيدة في عالم لا يعترف إلا بالبقاء.

إن الفقر المدقع ليس مجرد عوز مادي، بل هو كاسحة ألغام تقتلع جذور الورع. يقول زيجمونت باومان في سوسيولوجيا الفقر: إن الفقير في المجتمع الاستهلاكي المنهار يُدفع دفعاً نحو الفردانية، حيث يغدو الآخر منافساً على البقاء لا شريكاً في المصير.

وحين يضعف الواعز الديني أمام هول المأساة، ليس كفراً بالخالق، بل انكساراً أمام “شرور العالم” وعدم القدرة على مواءمة المثال الديني مع الواقع المرير، نجد أنفسنا أمام حالة من “العدمية الأخلاقية”.

حينها، يصبح التكافل الذي اشتهرت به غزة مهدداً بـ”أنانية الاضطرار”، حيث الصراع على “المساعدات الإغاثية” قد يُنسي الجار حاجة جاره.

لكن، هل الانهيار حتمي؟ إن سردية البقاء في غزة تعلمنا أن “الترميم” يبدأ من رحم الأزمة.

إن السبيل لمعالجة هذا التآكل الأخلاقي لا يمر عبر الوعظ السطحي أو التنظير من فوق الركام، بل عبر استراتيجية “الأخلاق العملية”. يقول ماكس فيبر: إن الأخلاق تنمو حيث توجد “الجماعة الوظيفية”.

لذا، فإن أولى خطوات الإنقاذ تكمن في إعادة إنتاج المجتمع الصغير المتماسك أخلاقياً ومجتمعياً، وخلق لجان شعبية من النازحين أنفسهم، تدير شؤون الخيام، وتوزع الأعباء والمهام، مما يعيد للفرد شعوره بالمسؤولية تجاه المجموع.

كذلك، لا بد من “مدرسة الخيمة”. إن التعليم الشعبي التطوعي، حتى لو كان تحت ظل شجرة أو في زاوية مسجد مهدم، ليس غرضه محو الأمية فحسب، بل هو “عملية ترويض” للغريزة وإعادة ربط الطفل بمنظومة القيم والانتظام.

إن استعادة هيبة “الكبير” و”المعلم” و”المصلح” هي الحصن الذي يمنع تحول المخيم إلى غابة.

في الختام، إن الأخلاق في غزة تشبه تلك الورود التي تحاول شق طريقها من بين الصخور الصماء.

إنها تقاوم، لكنها تحتاج لماء الكرامة. إن معالجة الانحدار القيمي تبدأ بـ “أنسنة” ظروف العيش، فكما يقول ابن خلدون: إن الظلم مؤذن بخراب العمران.

والظلم الأكبر هو ترك الإنسان يواجه وحش الجوع وحيداً بلا منظومة تحميه. إن حماية أخلاق غزة هي مسؤولية جماعية تبدأ بتوفير العيش الكريم، وتنتهي ببعث الأمل في أن “القيمة” لا تزال أغلى من “الرغيف”، وأن الإنسان الغزي، رغم كل هذا الخراب، لا يزال هو المعنى الأسمى للوجود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى