شهود الإبادة الصحفيون الفلسطينيون بين نقل الحقيقة ودفع الثمن

الخامسة للأنباء - غزة
كتب الصحفي الفلسطيني : جابر موسى أبو جراد
في كل الحروب يكون الصحفي شاهداً على المأساة يحمل كاميرته أو مراسلاً يحمل الحقيقة لينقل للعالم ما يراه وما يجري على الأرض. لكن في غزة تجاوز الأمر حدود المألوف فالصحفي لم يعد مجرد ناقل للحدث بل أصبح جزءاً منه وضحية من ضحاياه وهدفاً مباشراً لنيران الحرب.
منذ السابع من أكتوبر 2023 لم يشهد العالم حرباً بهذا الحجم من الاستهداف للصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تتعرض لحرب ابادة غير مسبوقه كان الصحفيون الفلسطينيون يواصلون عملهم وسط ظروف تكاد تكون مستحيلة بعضهم فقد منزله وآخر فقد أفراداً من أسرته وكثيرون اضطروا للنزوح مرات متتالية ومع ذلك ظلوا يحملون الكاميرا ويلاحقون الخبر وينقلون الصورة.
وجد الصحفي الفلسطيني نفسه في معادلة قاسية فهو مطالب بأن يؤدي واجبه المهني بينما يعيش المأساة ذاتها التي يغطيها يخرج لتوثيق قصف منزل فيكتشف أن الضحايا هم اهله أو أقاربه أو جيرانه أو اعزاء عليه ويجري مقابلة مع أب فقد أبناءه فيما يكون هو نفسه قد فقد عائلته أو جزءاً منها إنها تجربة إنسانية استثنائية لم يعرفها كثير من الصحفيين في مناطق النزاع بالعالم.
ورغم هذه الظروف لم يتوقف الصحفيون في غزة عن أداء رسالتهم كانوا يدركون أن العالم لا يرى ما يحدث إلا من خلال عدساتهم وأن الحقيقة إن فقدت الشهود تصبح أكثر عرضة للتشويه والإنكار.
ولهذا تحديداً يكتسب استهداف الصحفيين دلالات تتجاوز مجرد ضحايا ارتقوا خلال الحرب فالصحفي ليس مقاتلاً في ساحة المعركة بل شاهد على ما يجري فيها وعندما يُقتل الشاهد أو يُمنع من العمل فإن أول ما يتعرض للخطر هو الحقيقة نفسها.
عندما قرر الاحتلال الاسرائيلي استهداف الصحفيين الفلسطينيين كان يحمل في جوهره رسالة واضحة هي تقليص عدد العيون التي ترى وعدد الأصوات التي تنقل ما يحدث فالصورة التي يلتقطها المصور الصحفي قد هي وثيقة تاريخية والتقرير الذي يكتبه المراسل يتحول إلى دليل يستند إليه الباحثون والحقوقيون والمحاكم وهذا ما تبنته جنوب افريقيا في الدعوة المقدمة على الاحتلال في محكمة العدل الدولية ولذلك فإن الحرب على الصحفيين ليست حرباً على أفراد بقدر ما هي حرب على التوثيق والذاكرة والرواية.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً عند النظر إلى قرار منع الصحفيين الأجانب من الدخول إلى قطاع غزة بصورة مستقلة طوال الحرب في اي حرب بالعالم تتسابق وسائل الإعلام الدولية للوصول إلى مناطق الأحداث لكن غزة بقيت مغلقة أمام معظم المراسلين الأجانب الأمر الذي جعل العالم يعتمد بشكل شبه كامل على الصحفيين الفلسطينيين الموجودين داخل القطاع.
هذا المنع لا يمكن فصله عن المشهد العام للحرب فكلما قل عدد الشهود المستقلين أصبحت القدرة على التحكم بالرواية أكبر وكلما تراجعت التغطية المباشرة من الميدان أصبح من السهل التشكيك في الحقائق أو إعادة صياغتها بما يخدم أهدافاً سياسية وإعلامية معينة.
لقد كان من حق العالم أن يرى ما يجري في غزة بعشرات بل مئات العيون الصحفية القادمة من مختلف المؤسسات والدول لكن هذا الحق تعرض للتقييد فيما كان الصحفي الفلسطيني يواجه الخطر منفرداً نيابة عن الجميع ورغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالجسم الصحفي في غزة لكنهم نجحوا في أداء دور استثنائي فقد نقلوا صور الدمار ووثقوا معاناة المدنيين وحفظوا شهادات الناجين وقدموا للعالم مادة إنسانية وتاريخية ستبقى شاهدة على هذه المرحلة لسنوات طويلة.
لم تكن الصحافة مجرد مهنة بل مسؤولية ورسالة وهذا وأثبت الصحفيون الفلسطينيون أن الكاميرا يمكن أن تكون أقوى من محاولات الإخفاء وأن الحقيقة قد تتعرض للحصار والاستهداف لكنها لا تموت ما دام هناك من يصر على حملها ونقلها إلى العالم.
منع الاحتلال الاسرائيلي الصحافة الدولية من الوصول لغزة واستهدافه الصحفيين لا يمس حرية الإعلام وحدها بل يمس حق البشرية جمعاء في معرفة الحقيقة فحين يُقتل الصحفي لا يفقد أهله وزملاؤه شخصاً عزيزاً فحسب بل يفقد العالم شاهداً كان يساعده على رؤية ما يحدث وفهمه كما هو، بعيداً عن الضجيج والدعاية والروايات المتصارعة.





