كلنا نريد الجنة لكن لا أحد يريد الموت
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

كتب / حنفي ابو سعدة
مقولة فلسفية لا يمكن استخدامها في توصيف واقعنا الحالي فقط، بل في توصيف كثير من الظواهر والسلوكيات سواء كانت على المستوى الفردي او الجمعي للشعوب.
مثل غيري أقف مبهورا (بالجمهورية الجديدة) لمصر برئاسة رئيسها عبد الفتاح السيسي الذي يُجمع الباحثين والمهتمين على أنه يقود مصر حاليا بخطى واثقة نحو دورها الريادي في المنطقة على جميع المستويات بعد ان انتزعها من براثن فوضى الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة .
لكن بالنظر إلى الأحداث التي عصفت بمصر ، فمصر لم يكن لها ان تصل الى جمهوريتها الجديدة دون مخاض ثورة يناير حتى وصلت الى بر الأمان، كانت الكلمة للشعب و الجماهير صاحبة القرار والحضور ثم النخب التي وضعت إستراتيجيتها لموجهة مؤامرة ما يسمى بالربيع العربي .
مصر اليوم تجاوزت ازمتها الأعمق والأخطر، أما في حالتنا الفلسطينية عموما والغزاوية تحديدا يبدو الواقع اشد تعقيدا وضبابية، فرع الإخوان في غزة ( حماس ) لديهم ما يمكن تسميته بالحصانة الشرعية ( إذا ما اعتبرنا ان المقاومة تمنح اصحابها شرعية ما ) وهي شرعية تشبه تلك التي امتلكتها فصائل الثورة سواء الفلسطينية او حتى العالمية (الشرعية الثورية )، لكن حماس اجتهدت بخطوات منفردة نحو شن حرب لم تعتمد فيها إلا على اعتقاد بأن محور حلفائها من غير الفلسطينيين سيلحق بها وهو ما أخطأت حماس في تقديره، والنتيجة هي تلك النتائج الكارثية التي دفعها شعبنا في غزة سواء على المستوى البشري بفقدان اكثر من 70 الف شهيد واحتلال نصف غزة وتدمير معظمها واطلاق سراح الأسرى دون صفقة مشرفة او حتى تبييض السجون ، ناهيك عن وثيقة ترامب التي أذعنت لها حماس في نهاية المطاف .
مصير غزة اليوم بات على حافة طرقٍ كلها تبدو سيئة، بدءا من سيناريو استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه ( اللا سلم والا حرب والموت بالتجزئة ) ، او سيناريو تعنت حماس ومواصلة تمسكها بالسلاح كما أعلن بعض قادتها في أكثر من تصريح، وقضية الموظفين التي ينظر إليها كحجر عثرة امام لجنة التكنوقراط ، او السيناريو الوردي وهو عودة اعضاء اللجنة و البدء بعملها وسط ألغام كثيرة وأكبر تلك الألغام هي رغبة نتنياهو بعدم الانتقال للمرحلة الثانية وفتح المعبر إلا بعد شرط نزع سلاح حماس أولا ثم نزع سلاح غزة ثانيا ( وهذه تحتاج لتفسير ) والله وحده يعلم ما يخبئه نتنياهو من اشتراطات قادمة .
ليبقى السيناريو الاخير عودة الحرب وما تناقله العائدون الى غزة عبر معبر رفح خلال اليومين الماضيين من تهديدات اسرائيلية لسكان المواصي بالاستعداد للنزوح وعودة الحرب .
وسط كل ذلك يقف المواطن الغزاوي وقد احاط به الموت والعجز من كل ناحية، فلا خارطة فلسطينية واضحة المعالم، ولا سلطة حاضرة في المشهد الغزي سواء قبل الحرب او اثنائها او بعدها، ولا تنظيم فتح قائم في غزة بعد ان تم تغييبه لسنوات طويلة بفعل سياسة حماس وقبضتها الحكومية في غزة وإجراءات السلطة وفتح ضد غزة، بل لم تستطيع فتح الأم _على الاقل_ تنظيم حملة لتأمين قوافل المساعدات في فترة الحرب، أو القيام باي جهد وطني بعد الحرب، ناهيك عن سياسة السلطة وموقف فتح في الضفة من غزة واجراءات السلطة ضد غزة في ملفات عديدة .
بالمقابل يبدو الموت كمن يحيط بكل تفاصيل المشهد في سيناريوهاته المختلفة في غزة، ولا جنة تلوح في الأفق القريب .
لا أرسم هنا مشهدا سواداويا للواقع ، بل بوضوح فإن الشعوب التي لا تملك قرارها تستحق خواتمها .
هل نريد غزة بلجنة تكنوقراط تتبع لمجلس السلام باعتبارها افضل ما هو متاح حاليا ؟؟؟؟
حسنا،، فليكن هناك صوتا وحضورا شعبيا داعما لهذه اللجنة داعيا كل الاطراف لتذليل العقبات وعدم وضع العصي في الدوليب بجرأة ووضوح.
أما المشهد الراهن فهو يعني بوضوح ان شعبنا وفصائل القرار تسير وفق ما يرسمه لنا نتنياهو من خطوات وأفخاخ نسقط فيها تباعا دون ان نتعلم من دروس الماضي .
نحن نبدو بوضوح كمن يريد الجنة دون ان يموت ولا يحيا .
نحن نقف هناك في منتصف العبث ندفع الأثمان ونُجيد صناعة فن الانتظار .
غزة اليوم تبحث عن صوت قوي يقودها ويعيد لأراملها وجرحاها وشبابها الأمل بأنه ثمة جنة أمل قادم رغم كل ما يحيط بنا .
نحن وسط كل هذا العبث ننتظر…





