البُعدان الإقليمي والدولي للحرب على إيران
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: عبد المجيد سويلم
في حروب أميركا على العراق، وأفغانستان، وحتى في البوسنة والهرسك، وإلى حدّ ما في فنزويلا كان ثمّة من يعتبر أنّها كانت إلى هذه الدرجة أو تلك حروباً «مشروعة»، وبهذا القدر أو ذاك كانت أميركا تستند فيها، إمّا إلى دعم كامل، ومساندة شاملة، أو إلى تضامن وتعاطف كبيرين على المستويات الداخلية والخارجية، الرسمية وحتى الشعبية، وإلى حدّ معيّن كانت هذه الحروب مدعومة ضمنياً من منظومات إقليمية ودولية حتى ولو بصورة غير رسمية.
بل حتى أن حرب الـ12 يوماً (حزيران 2025) بين إيران ودولة الاحتلال، كانت مدعومة من الإقليم العربي الإسلامي عموماً، ومن كثير من بلدان «الغرب»، ومن تحالفات ومنظمات تدور في فلك هذا «الغرب».
الحرب التي تهدّد بها أميركا في هذه الأيّام، وعلى النقيض من كامل هذه الصورة تفتقد لمعظم هذه الحالة، ويغيب عنها السواد الأعظم عن مشهديّة هذا الدعم والإسناد والتعاطف.
ولا نكاد نجد لا في المجتمع الأميركي، ولا لدى شعوب الأرض كلّها من يتعاطف أو يساند هذه الحرب.
استطلاعات الرأي الموثّقة في داخل أميركا نفسها تفيد بأن ما يصل إلى 80% من الشعب الأميركي هم ضدّ الحرب، أو ليسوا من مؤيّديها.
وأفادت استطلاعات بأن أكثر من 70% من الشعب الأميركي كانوا ضدّ ما قامت به أميركا من اختطاف مافيوي للرئيس الشرعي لفنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته.
وحول الحرب التي يتوعّد بها ترامب إيران، فإن أوروبا كلّها ضدّها، وكلّ دول العالم وشعوبها ضدّها.
الأمر الجديد في هذه الحرب هو أن الغالبية الساحقة من العالمين العربي والإسلامي ليسوا ضدّها فقط، وإنّما هم قاموا بالإعلان الصريح بالوقوف ضدّها، وألحقوا هذا الرفض بجملة من الإعلانات عن أنهم لن يسمحوا باستخدام الأراضي والقواعد والأجواء ضدّ إيران، وأخذوا من الخطوات والاستعدادات ما يؤكّد أنهم لن يخضعوا لأيّ ضغوط للمشاركة فيها، أو التسامح بشأن ما يمكن أن يهدّد مصالحهم جرّاءها.
ليس هذا فقط، فقد بدأت على مستوى الإقليم كلّه حراكات سياسية باتجاه إنشاء درجات عالية من التنسيق بين البلدان المركزية في كامل الإقليم، وبما يوحي، أو قد يشكّل أنوية جدّية لأحلاف جديدة ليست معادية لإيران، وليست بديلاً عن محورها، وإنّما موازية حتى الآن، وبما يمكن أن يؤسّس لدرجات مهمّة من التنسيق والتعاون معها.
بل بدأنا نلمس مثل هذا التوجّه من خلال حملة واسعة من الإجراءات ضد مظاهر فاقعة من السياسات الصهيونية التي حاولت التموضع العسكري في «أرض الصومال» وفي السودان، وجنوب اليمن وأثيوبيا، كما شهدنا بعض التطوّرات الإيجابية في «لغة ومنطق» التصدّي لتصريحات سفير أميركا في تل أبيب مايك هاكابي حول «الحق التوراتي» لدولة الاحتلال، من النيل إلى الفرات.
ويستدلّ من هذه اللغة والمنطق أن هذا ما سماه بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال «الحلف السنّي» الناشئ سيسعى إلى حسم الصراع في السودان، وإعادة التفاهم مع «جماعة أنصار الله» «الحوثيين» اليمنية، وإلى تصفية الجيب الإسرائيلي في «أرض الصومال» على طريق إنهاء الحالة المتمرّدة التي تبحث وتستجدي لاستجلاب أي قوى عسكرية وخارجية للاحتماء بها، إضافة إلى وضع حدّ نهائي للتلاعب بورقة الحصص المصرية والسودانية من مياه النيل.
صحيح أن هذا الحلف الجديد والناشئ ما زال يناور في المساحة الأميركية نفسها، وأنّه لا يرغب، وربّما لا يقدر على الصدام مع منطق الهيمنة الأميركية، إلّا أنّه بدأ بالتعبير عن رفضه العملي للسياسات الإسرائيلية في مجال محاصرة مصر والعربية السعودية، وربّما تركيا، أيضاً، عَبر التنسيق الإسرائيلي الفعّال مع كل من اليونان وقبرص على أعلى المستويات العسكرية والأمنية.
والجديد هنا هو أن هذه الحرب التي تخطّط لها أميركا، وتهدّد بها إيران، باتت من دون غطاء إقليمي، بل باتت على النقيض التام مع المصالح الحيوية لغالبية دول الإقليم.
وعلى الصعيد الدولي تجد أميركا نفسها وحيدة في التوجّه إلى حرب كهذه على هذه الدرجة من الخطورة، وتجد دولة الاحتلال نفسها هي، أيضاً، في حالة عزلة خانقة، بل وأكثر عزلة واختناقاً وانعزالية من أميركا.
أمّا الأهمّ من كلّ ذلك فإن الأخيرة تجد نفسها في مجابهة، غير مباشرة، حتى الآن، مع المصالح الإستراتيجية الحيوية والخاصة لكلّ من روسيا والصين، وفي صميم التهديد الحقيقي لهذه المصالح للدولتين كلتيهما.
سقوط النظام في إيران، أو تقويض الدولة الإيرانية يعتبر بكلّ المعايير الجيوإستراتيجية بمثابة تهديد مصيري لمنطقة القوقاز، وسيعتبر في نظر القيادة الروسية بمثابة تموضع خطير لأميركا على هذه المنطقة الحسّاسة، وسيكون على روسيا أن تتصدّى مباشرة لمنطقة شاسعة من مساحات جديدة من المخاطر على حدودها، خصوصاً أن أذربيجان، وبعض دول آسيا المؤيّدة لـ»الغرب» في منطقة هذا الإقليم يمكن لها أن تشكّل حلفاً جديداً معادياً للدولة الروسية مؤيّداً من أميركا.
ومن هذه الزاوية فإن «سقوط» الدولة الإيرانية، بل حتى النظام الإيراني يعتبر بكلّ المقاييس هزيمة كبيرة للدولة الروسية، وورقة ضغط هائلة على التوازن في هذه المنطقة لغير صالح روسيا.
وقد يكون هذا التغيّر على المدى المباشر والمتوسّط ضغطاً كبيراً على روسيا، سواء في حربها مع أوكرانيا، أو بتكالب المزيد من الأعداء ضدّها، بما في ذلك جورجيا، وربّما دول البلطيق، أمّا الصين فإنها ليست على درجة أقلّ من المخاوف أو الشعور بالتهديد المباشر لمصالحها الإستراتيجية.
والأمر يتعلّق هنا بأن الصين تعتمد على ما تزودّه بها إيران من نفط يتجاوز 5% من احتياجاتها وأكثر من 15% من منطقة الخليج العربي، في حال إن تمّ إغلاق مضيق هرمز، أو تمّ تعطيل أو إحراق حقول النفط في المنطقة، أي أن الصناعة الصينية ستتضرّر بما لا يقل، وبما يتراوح ما بين 15-20% من احتياجاتها النفطية.
ولا تقف المصالح الصينية عند هذا الحدّ على أهميته الهائلة، لأن ما يقلق بكين هو أن تضعضع الحالة الإيرانية سيؤدّي حتماً إلى اختلالات جدّية وكبيرة في كامل مشروع «طريق الحرير»، حيث تشكّل إيران حلقة مركزية للوصل في هذا المشروع الصيني العملاق، وحيث تخطّط أميركا لتوجيه ضربة قوية للصين في مفصلين كبيرين، وهما الصناعة الصينية، وحركة السلع التي تنتجها الصين والتي تمرّ عَبر المشروع.
وخلاصة القول هنا، إن هذه الحرب تمسّ المصالح الحيوية المباشرة لكل من الصين وروسيا، وبالتالي فنحن أمام أهداف إستراتيجية لأميركا على أعلى درجات الأهمية في إعاقة ترسّخ النظام العالمي الجديد الذي يُعيق بدوره بقاء الهيمنة الأميركية.
هذا إضافة إلى أنّ السيطرة الأميركية على مضيق هرمز، ثم إعادة السيطرة الكاملة على باب المندب بافتراض أن سقوط إيران سيؤدي إلى إضعاف حكومة صنعاء، بل وربّما إسقاطها سيكون خطراً كبيراً.
هذه الحرب ستشعل أسواق الطاقة، وأوروبا كلّها ستدفع الثمن مضاعفاً، وبلدان الخليج العربي ستخسر الكثير من مواردها، ومن أصولها، والكثير الكثير من استقرارها، وهو ما يعني أن المقامرة الأميركية لهذه الحرب أبعد من «إرضاء» الدولة العبرية، وأكبر وأعمق وأخطر من ابتزازات اللوبي الصهيوني، وأشمل وأعمّ من كل الحسابات الخاصّة والجزئية، بما في ذلك الحسابات الإسرائيلية نفسها.
ومن هنا بالذات، وعلى قاعدة كل ذلك لا تبدو الحرب سهلة على أحد، وخسائرها أوسع وأكبر ممّا تبدو عليه، وحساباتها في موازين الصراع الدولي تنقلها إلى مصاف الحرب العالمية بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى، بصرف النظر عن المشاركة المباشرة فيها من عدمها.
وهي حرب تغيير وجه الإقليم، ولكنها حرب تغيير الكثير الكثير من معالم العالم الذي ينشأ، وسينشأ في ضوء نتائجها، سواء تم خوضها، أو التراجع عنها




