
الخامسة للأنباء - غزة
القدس في السينما والأغاني العربية.. كيف صوّر الفن المدينة المقدسة..إعداد : عهد أبو خوصة
في الفن العربي، لا تبدو القدس مدينة عادية يمكن اختصارها في شوارع أو معالم دينية فقط.
إنها مدينة تسكن في كل القلوب بوصفها مكانًا للقداسة والحنين والأسئلة المفتوحة، وذاكرةً تتجاوز السياسة إلى الوجدان الإنساني نفسه.
في الأغنية، ظهرت القدس باعتبارها “مدينة الصلاة” و”زهرة المدائن” و”العروس” التي تحمل وجع الهزائم العربية وأحلام العودة.
وفي الشعر، تحولت إلى مدينة تقف بين الأرض والسماء، بين التاريخ والأسطورة، بينما قدّمتها السينما العربية والفلسطينية بوصفها مكانًا يعيش فيه البشر بين الحياة اليومية والحصار والذاكرة.
وعلى امتداد عقود، تعامل الفنانون العرب مع القدس باعتبارها قضية وجدانية وثقافية، أكثر من كونها شعارًا سياسيًا مباشرًا.
لذلك بقي حضورها في الفن مختلفًا؛ فهي ليست مجرد مدينة محتلة، بل استعارة كبرى عن الفقد والمنفى والهوية والحنين.
القدس في الأغنية العربية.. حين أصبحت المدينة صوتًا وذاكرة
فيروز.. “زهرة المدائن” التي تحولت إلى نشيد عربي
إذا ذُكرت القدس في الغناء العربي، تحضر فورًا أغنية زهرة المدائن التي قدمتها فيروز عام 1967 بعد نكسة يونيو مباشرة.
كتب ولحن الأغنية الأخوان رحباني في لحظة عربية اتسمت بالصدمة والانكسار بعد الهزيمة العسكرية، لكن العمل لم يعتمد لغة الحرب المباشرة، بل قدّم القدس بصورة روحانية وإنسانية عميقة.
تقول كلمات الأغنية:
“لأجلك يا مدينة الصلاة أصلّي
عيوننا إليك ترحل كل يوم”
امتزج في الأغنية الطابع الديني بالحزن الجماعي والأمل بالعودة، فظهرت القدس مدينةً مقدسة لكل العرب، لا مجرد عنوان سياسي عابر.
ويرى نقاد موسيقيون أن سر خلود “زهرة المدائن” يعود إلى أنها لم ترتبط بحدث سياسي مؤقت، بل استخدمت لغة شعرية وروحية جعلتها قابلة للبقاء عبر الأجيال.
ولم تكن هذه الأغنية العمل الفلسطيني الوحيد في مسيرة فيروز، إذ جاءت ضمن مرحلة كاملة من الأعمال الرحبانية المرتبطة بفلسطين، مثل:
- سنرجع يوماً
- القدس العتيقة
في هذه الأعمال، ظهرت القدس مدينةً للحب والحنين والفقد العربي الجماعي.
أم كلثوم.. القدس في القصيدة السياسية
رغم أن أم كلثوم لم تقدم أغنية خاصة بالقدس وحدها، فإن المدينة حضرت بقوة في الأعمال الوطنية التي غنتها بعد نكسة 1967، وأبرزها قصيدة أصبح عندي الآن بندقية من كلمات نزار قباني وألحان محمد عبد الوهاب.
في القصيدة تتحول فلسطين والقدس إلى قضية شخصية وعاطفية، لا مجرد خطاب سياسي، إذ يقول نزار:
“إلى فلسطين طريقٌ واحد
يمر من فوهة بندقية”
وقد حمل صوت أم كلثوم القصيدة إلى ملايين العرب في لحظة كان الفن فيها وسيلة للتعبير عن الغضب الجماعي بعد الهزيمة.
مارسيل خليفة.. القدس كقصيدة مقاومة
ارتبط اسم مارسيل خليفة طويلًا بالشعر الفلسطيني، خصوصًا قصائد محمود درويش.
في أعماله، لم تظهر القدس فقط كمدينة حزينة، بل كرمز للهوية الفلسطينية والمقاومة الثقافية.
ورغم أن أغنيات مثل:
- أحن إلى خبز أمي
- ريتا
- جواز السفر
لا تتناول القدس مباشرة، فإنها ساهمت في تحويل التجربة الفلسطينية إلى جزء من الوجدان العربي، حيث تبقى القدس حاضرة بوصفها خلفية للذاكرة والغياب والحنين.
أصالة نصري.. القدس بصوت يمزج الحزن بالقوة
حين غنّت أصالة للقدس وفلسطين، لم تتعامل مع القضية بوصفها موضوعًا سياسيًا فقط، بل قدّمتها بصوت يحمل إحساسًا إنسانيًا عاليًا بالحزن والكرامة والحنين.
فأصالة، المعروفة بأسلوبها العاطفي القوي، كانت من الأصوات العربية التي ربطت الغناء لفلسطين بالمشاعر الشخصية، لا بالشعارات وحدها.
القدس في الشعر العربي.. مدينة بين القداسة والحزن
محمود درويش.. القدس بوصفها ذاكرة وهوية ومنفى
في تجربة محمود درويش الشعرية، لم تكن القدس مجرد مدينة تُذكر في القصائد باعتبارها رمزًا سياسيًا أو دينيًا، بل كانت جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بالهوية والمنفى والذاكرة والوجود الفلسطيني نفسه.
درويش لم يكتب القدس باعتبارها “مدينة مثالية” خارجة عن الزمن، وإنما قدّمها ككائن حيّ يحمل تناقضاته الخاصة مدينة تختلط فيها القداسة بالخوف، والجمال بالفقد، والتاريخ بالحاضر المثقل بالاحتلال.
تميّزت صورة القدس عند درويش بأنها لم تعتمد الخطابة المباشرة أو الشعارات السياسية الصريحة بقدر ما اعتمدت اللغة الإنسانية والتأمل الوجودي.
ففي قصائده، تظهر المدينة أحيانًا كأمّ بعيدة، وأحيانًا كذكرى شخصية، وأحيانًا كمساحة يشعر الفلسطيني فيها بالاغتراب حتى وهو يسير في شوارعها.
قدّم محمود درويش القدس كذاكرة وهوية تتجاوز المكان.
كان درويش يرى أن أخطر ما يفعله الاحتلال ليس السيطرة على الأرض فقط، بل محاولة السيطرة على الرواية والذاكرة أيضًا، ولذلك تحوّل الشعر لديه إلى وسيلة لحماية المكان من النسيان.
قدّم محمود درويش القدس كذاكرة وهوية تتجاوز المكان.
فالقدس في نصوصه ليست مجرد حجارة أو معالم دينية، بل أصوات الناس، ورائحة البيوت القديمة، والمقاهي، والأبواب، والحكايات الصغيرة التي تمنح المدينة روحها الحقيقية.
وفي كثير من أعماله، تظهر القدس باعتبارها مدينة تقف على الحد الفاصل بين السماء والأرض.
مدينة تحمل إرثًا دينيًا وتاريخيًا هائلًا، لكنها في الوقت نفسه تعيش واقعًا يوميًا قاسيًا.
ولهذا كان درويش يميل إلى تصوير التناقضات داخلها: المصلّون والجنود، الأجراس وصفارات الإنذار، الأسواق القديمة والحواجز العسكرية، الحياة العادية والخوف الدائم.
كما أن درويش قدّم القدس بوصفها جزءًا من التجربة الإنسانية العالمية، لا الفلسطينية فقط.
فالقارئ في شعره لا يرى مدينة تخص شعبًا واحدًا فحسب، بل يرى مدينة تختصر معنى التمسك بالبيت والذاكرة في مواجهة الاقتلاع والمنفى.
وربما لهذا السبب بقي شعر محمود درويش حاضرًا بقوة لأنه لم يكتب القدس كلحظة سياسية عابرة.
بل كتبها كفكرة إنسانية مفتوحة على الحنين والأسئلة والخسارة والأمل معًا.
فالقدس عنده ليست مجرد مكان يُستعاد في القصائد، بل ذاكرة يحاول الشعر إنقاذها من الغياب.
نزار قباني.. القدس كمرآة للهزيمة العربية
بعد نكسة 1967 كتب نزار قباني قصيدته الشهيرة القدس، التي تحولت إلى واحدة من أشهر النصوص الشعرية المرتبطة بالمدينة.
يقول فيها:
“القدس عروس عروبتكم
فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها؟”
تميّزت صورة القدس عند نزار بالغضب السياسي والإحساس بالخيانة والهزيمة، فتحولت المدينة إلى رمز للكرامة العربية المفقودة.
تميم البرغوثي.. القدس كحياة يومية
في قصيدته الشهيرة في القدس كتب تميم البرغوثي:
“في القدس، رغم تتابع النكبات
ريحُ براءةٍ في الجو”
قدّم البرغوثي صورة مختلفة للمدينة؛ فلم يركّز فقط على الحزن، بل وصف الحياة اليومية للقدس وأهلها، وأظهر المدينة باعتبارها مكانًا يعيش فيه الناس تفاصيلهم العادية رغم كل شيء.
وهنا تبدو القدس أقل رمزية وأكثر إنسانية.





