مقالات الخامسة

حين يصبح العمل الانساني مشروعا للمحاكمة، والخدمة تهمة

الخامسة للأنباء - غزة

د. سامر موسى

في الحرب الممتدة لا يقتصر الخطر على القصف والموت، بل يمتد الى اهتزاز المعايير التي تحكم نظرة المجتمعات الى الفعل العام، ففي لحظات الانهيار الكبرى يتغير السؤال الجوهري: لم يعد “من يتحدث باسم الناس؟” بل “من يقف الى جانبهم فعلا حين يغادر الجميع الى بياناتهم وتحليلاتهم؟”

في غزة، حيث الحرب لم تهدأ بعد، وحيث تتداخل المأساة الانسانية مع الانسداد السياسي، برزت نماذج مختلفة من الحضور العام، بعضها اكتفى بإدارة الخطاب من بعيد، فيما اتجهت مجموعات وقيادات ميدانية الى فتح مطابخ الاغاثة وادارة قوافل المساعدات، دون ان تسال عن هوية الجائع او انتماء المستفيد، سال هؤلاء فقط: اين النقص؟ وكيف نصل اليه؟

هذا النمط من الحضور لا يمكن اختزاله في إطار العمل الخيري، ان أثره يتجاوز المساعدة الآنية الى بناء جسور ثقة من نوع مختلف بين المجتمع والفاعلين فيه، انه سياسة تمارس باليد لا باللسان، وبيان يكتب بالدواء والخبز لا بالحبر. ففي المجتمعات التي تمر بكوارث كبرى تنتقل مصادر الشرعية جزئيا من المجال الخطابي الى المجال العملي. الناس لا تقيس الادوار بما يقال، بل بما يتحقق على الارض، وهنا تحديدا يصبح العمل الميداني رصيدا اجتماعيا ومعنويا كبيرا، حتى لو لم يسع صاحبه الى منصب او موقع رسمي.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ولعل هذا ما يفسر الجدل المتصاعد الذي يحيط ببعض المبادرات الاغاثية خلال الحرب، فما يجري في الكواليس السياسية لا يقل شراسة عن الحرب ذاتها. اذ تتعرض بعض هذه الجهود لحملات تشكيك واستباق لا تستند دائما الى تقييم موضوعي للاداء او النتائج، بقدر ما تعكس حالة من التوجس ازاء اي تجربة تنجح في بناء حضور مجتمعي واسع خلال ظروف استثنائية.

مقالات ذات صلة

وفي المقابل، تتكرر قراءات تربط هذا الحضور الميداني بطموحات سياسية مستقبلية، رغم ان الشخصيات المعنية اكدت في مناسبات عديدة ان اولويتها تنصب على الاستجابة للاحتياجات الانسانية الملحة التي فرضتها الحرب. وقد انعكس ذلك في توظيف شبكة واسعة من العلاقات والموارد لدعم جهود الاغاثة وتسهيل وصول المساعدات، أكثر من انشغالها بالتموضع داخل معادلات السلطة او المنافسة على مواقع النفوذ.

ولعل ما يثير الجدل حول هذه التجارب ليس ما تعلنه من مواقف، بقدر ما يحققه حضورها العملي على الارض، ففي اوقات الازمات الكبرى تكتسب الفاعلية الميدانية وزنا استثنائيا، وتتحول القدرة على الاستجابة لمعاناة الناس الى مصدر مهم من مصادر الثقة المجتمعية. ومن هنا يصبح النقاش حول هذه النماذج جزءا من نقاش اوسع يتعلق بعلاقة العمل الانساني بالمجال العام، وبالحدود الفاصلة بين الخدمة المجتمعية والتأثير العام الذي قد ينشا عنها بصورة طبيعية، حتى دون سعي مباشر الى السلطة.

ان الخوف الحقيقي ليس من فساد يخشى منه، بل من نزاهة تثبت نفسها بالممارسة، ومن قدرة على الايصال وسط ظروف خانقة، ومن مصداقية تبنى لبنة لبنة مع كل عائلة تنجو من الموت جوعا، فالنجاح في خدمة الناس خلال المحنة يمنح رصيدا معنويا يصعب تجاهله، وهو رصيد يتنامى كلما اتسعت دائرة المستفيدين من هذه الجهود على الارض.

في زمن الحرب المفتوحة على كل الجبهات الانسانية، لا متسع لتصفية الحسابات، فالمنهمكون في جهود الانقاذ والاغاثة لا يملكون ترف الانشغال باليوم التالي بقدر انشغالهم بتحديات اليوم نفسه، هم لا يتكهنون بشكل السلطة القادمة، بل يعملون على الا يموت الناس من الجوع والمرض قبل ان تصل اي حلول سياسية او إدارية، وهذا فارق تدركه المجتمعات المنكوبة من خلال ما تلمسه من أثر مباشر في حياتها اليومية.

غزة التي ما زالت تنزف لا تحتاج اليوم الى مزيد من السجالات بقدر حاجتها الى كل يد تمتد لتخفيف المعاناة. ولا تحتاج الى استقطاب جديد يضاف الى جراحها، بل الى توسيع دائرة المبادرات القادرة على حماية الانسان وصون كرامته. لذلك فان السؤال المهم: كيف نحمي الجهد الانساني من الاستقطاب السياسي؟ وكيف نشجع كل مبادرة تخفف المعاناة بعيدا عن التشكيك المسبق؟

ان القيمة الاخلاقية لاي تجربة عامة في هذه المرحلة تقاس بمدى مساهمتها في حماية الانسان وصون كرامته وتخفيف معاناته. اما التقييم السياسي النهائي فسيبقى رهنا بما ستسفر عنه المرحلة المقبلة، لكن ما لا يمكن انكاره ان خدمة الناس في زمن الكارثة ليست تهمة، بل واحدة من ارفع صور المسؤولية الوطنية والانسانية.

في النهاية، لا تحتفظ الذاكرة الجمعية كثيرا بالسجالات العابرة، لكنها تتذكر من وقف الى جانبها في اوقات الخوف والجوع والحاجة. والتاريخ، مهما طال الزمن، لا يقاس بكثرة الخطابات ولا بحدة الخصومات، بل بالأثر الذي يتركه الافراد والجماعات في حياة الناس، والاثر هنا، في غزة التي تحترق، يقاس بالجياع الذين أطعموا، والجرحى الذين عولجوا، والعائلات التي وجدت من يساندها في أصعب الظروف. وهذا رصيد لا يمحوه بيان، ولا تنال منه حملة، لأنه ابعد من السياسة، وأبقى من الحرب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى