اتفاق غزة… عندما تنتصر الواقعية السياسية على حسابات الانقسام

الخامسة للأنباء - غزة
بقلم: سوزان محمد عبد الله
لا تكمن أهمية التفاهمات الأخيرة المتعلقة بقطاع غزة في بنودها المباشرة فقط، وإنما في التحول السياسي الذي تعكسه، وفي قدرة الأطراف الفلسطينية على تجاوز سنوات طويلة من الخصومة وانعدام الثقة، والاقتراب من صيغة تضع حياة الناس ومستقبل القطاع فوق الحسابات الحزبية والتنظيمية.
لقد وصلت غزة إلى مرحلة لم يعد فيها ممكنًا الاستمرار بالسياسات والأدوات ذاتها. فحجم الدمار، واتساع المأساة الإنسانية، واستمرار النزوح، وتآكل مؤسسات القطاع، كلها عوامل فرضت على القوى الفلسطينية مراجعة مواقفها والبحث عن مخارج واقعية توقف النزيف وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى موقف حركة حماس من التفاهمات الأخيرة باعتباره تحولًا إيجابيًا في سياستها، وانتقالًا من التمسك المطلق بإدارة القطاع إلى إبداء قدر أكبر من المرونة تجاه ترتيبات فلسطينية جديدة، يمكن أن تمهد لوقف الحرب، وإعادة الإعمار، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية.
حماس ومراجعة تفرضها المسؤولية
من السهل وصف أي تحول سياسي بأنه تراجع أو تنازل، لكن السياسة لا تُقاس بمدى ثبات المواقف مهما تغيرت الظروف، بل بمدى قدرة القيادة على حماية شعبها واتخاذ القرارات المناسبة في اللحظات الحرجة.
حماس، التي تحملت مسؤولية إدارة قطاع غزة لسنوات طويلة، باتت تدرك أن استمرار الواقع القائم لم يعد ممكنًا، وأن مصلحة الفلسطينيين تقتضي الذهاب نحو صيغة أكثر انفتاحًا على الشراكة الوطنية، وعلى دور عربي وفلسطيني أوسع في إدارة المرحلة المقبلة.
ويمثل هذا التحول خطوة تستحق التقدير، لأنه يضع حدًا لفكرة احتكار القرار، ويفتح المجال أمام رؤية جديدة تقوم على التوافق لا الغلبة، وعلى الشراكة لا الإقصاء.
كما أن هذا التوجه، في حال استمر وترجم إلى خطوات عملية، قد يشكل بداية لمراجعة أوسع داخل الحركة، لا تتعلق بغزة وحدها، بل بموقع حماس داخل النظام السياسي الفلسطيني، وعلاقتها ببقية القوى، وطريقة إدارتها للصراع مع إسرائيل.
فالواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الحقوق والثوابت، وإنما تعني اختيار الأدوات التي تحافظ على الشعب وتمنع انهيار المجتمع وتحمي القضية من الاستنزاف.
دحلان ودور يتجاوز الحسابات التنظيمية
في الوصول إلى هذه المرحلة، برز الدور الذي لعبه محمد دحلان في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات التواصل مع الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية ذات العلاقة بالملف.
ويمتلك دحلان شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، إضافة إلى خبرة طويلة في الملفات السياسية والأمنية الفلسطينية. وقد مكّنه ذلك من التحرك بين دوائر مختلفة، ونقل المواقف، ومحاولة تضييق مساحة الخلاف، وطرح أفكار يمكن أن تشكل أرضية مشتركة بين الأطراف.
أهمية هذا الدور لا ترتبط فقط بموقع دحلان السياسي، بل بقدرته على التعامل مع تعقيدات المشهد بعيدًا عن الشعارات. فقد أدرك أن غزة لا تحتاج إلى جولة جديدة من تبادل الاتهامات بين فتح وحماس، وإنما إلى جهد عملي يوقف الحرب، ويؤمّن احتياجات السكان، ويمنع تحول القطاع إلى ساحة دائمة للفوضى والصراع.
كما اتجه دحلان إلى تبني خطاب يؤكد أن أولوية المرحلة ليست العودة إلى حكم غزة، ولا اقتسام المواقع والنفوذ، بل المساهمة في الوصول إلى ترتيبات تنقذ القطاع وتوفر أساسًا لإعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية.
وهذا الخطاب منح جهوده قدرًا من القبول، خصوصًا أن قطاع غزة يحتاج اليوم إلى كل الخبرات والعلاقات والموارد التي يمكن توظيفها لخدمة سكانه، لا إلى مزيد من الصراعات حول من يحكم ومن يسيطر.
المشهراوي… إدارة الحوار من قلب التجربة الغزية
إلى جانب محمد دحلان، كان لسمير المشهراوي دور بارز في تهيئة الأجواء السياسية وتذليل عدد من العقبات التي أحاطت بالتفاهمات.
ويتميز المشهراوي بمعرفته العميقة بقطاع غزة وبنيته السياسية والاجتماعية، فضلًا عن علاقاته الممتدة مع عدد من القوى والشخصيات الفلسطينية. وقد ساعدته هذه المعرفة على فهم هواجس الأطراف المختلفة، والتعامل مع الملفات الحساسة بدرجة عالية من الواقعية.
لم يتعامل المشهراوي مع الاتفاق باعتباره فرصة لتسجيل انتصار سياسي على حماس، بل قدمه بوصفه نافذة يمكن من خلالها إنهاء مرحلة طويلة من الصراع الداخلي، وبناء شراكة جديدة تكون فيها غزة مسؤولية وطنية مشتركة.
كما ساهم في نقل الرسائل وتقريب المواقف، وشرح طبيعة المرحلة المقبلة، والعمل على بناء الثقة بين أطراف أمضت سنوات في الخصومة والاتهامات المتبادلة.
وتكتسب مساهمة المشهراوي أهمية إضافية من كونه أحد أبناء قطاع غزة، ممن يعرفون معاناة سكانه وتفاصيل واقعه، ويدركون أن أي صيغة سياسية لا تضع احتياجات الناس في مقدمة أولوياتها لن تكون قابلة للحياة أو الاستمرار.
من إدارة الانقسام إلى إدارة المرحلة الانتقالية
لقد اعتاد الفلسطينيون خلال السنوات الماضية على إدارة الانقسام بدلًا من البحث الجدي عن إنهائه. أصبحت الخلافات جزءًا من الواقع السياسي، وتحولت المؤسسات والوظائف والموارد إلى أدوات في الصراع بين الأطراف.
أما التفاهم الأخير، فإنه يفتح الباب أمام انتقال محتمل من إدارة الانقسام إلى إدارة مرحلة انتقالية، تقوم على وجود مرجعية فلسطينية أوسع، ومشاركة عربية، وضمانات تساعد على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
لكن نجاح هذه المرحلة يتطلب ألا تتحول الترتيبات الجديدة إلى مجرد إعادة توزيع للنفوذ بين القوى، أو إلى محاولة لإقصاء طرف واستبداله بطرف آخر.
غزة ليست غنيمة سياسية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها منطقة نفوذ. إنها جزء من الوطن الفلسطيني، ومستقبلها يجب أن يُحدد ضمن رؤية وطنية تشمل الضفة الغربية والقدس، وتحافظ على وحدة الأرض والمؤسسات والقرار.
ومن هنا، فإن أي إدارة جديدة للقطاع يجب أن تكون مؤقتة ومهنية ووطنية، وأن تتولى معالجة الملفات الإنسانية والخدمية والأمنية، وتوفير الظروف اللازمة لإعادة الإعمار، تمهيدًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية.
تحول حماس قد يفتح باب المصالحة
المرونة التي أظهرتها حماس يمكن أن تتجاوز حدود الاتفاق الحالي، وتتحول إلى نقطة انطلاق لمصالحة فلسطينية حقيقية، شريطة أن تترافق مع استعداد مماثل من بقية الأطراف لمراجعة مواقفها.
فالمصالحة لا تعني مطالبة حماس وحدها بتقديم تنازلات، كما لا تعني عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانقسام. المطلوب هو بناء معادلة جديدة تعترف بجميع مكونات الشعب الفلسطيني، وتعيد تنظيم العلاقات بينها وفق قواعد واضحة.
ويتطلب ذلك الاتفاق على برنامج سياسي وطني، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وإجراء انتخابات عامة، وإعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة والشراكة والاحتكام إلى إرادة الناس.
كما يتطلب التوقف عن استخدام الانقسام وسيلة لتخوين الخصوم أو استبعادهم، لأن التجربة أثبتت أن أي طرف فلسطيني لا يستطيع وحده مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تحيط بالقضية.
الاتفاق فرصة وليس ضمانة
رغم الأجواء الإيجابية المحيطة بالتفاهمات، فإن الاتفاق يظل بداية طريق وليس نهايته. فالتجربة الفلسطينية مليئة باتفاقات أُعلن عنها بحماس ثم تعثرت عند أول اختبار حقيقي.
والتحدي لا يكمن في صياغة البنود، وإنما في تنفيذها، وفي قدرة الأطراف على تجاوز الضغوط والحسابات الداخلية والخارجية.
كما أن إسرائيل ستسعى، على الأرجح، إلى إفراغ أي تفاهم فلسطيني من مضمونه أو استخدام الخلافات الداخلية لإعادة إنتاج الفوضى. ولهذا يحتاج الاتفاق إلى موقف فلسطيني موحد، وإسناد عربي قوي، وضمانات واضحة تمنع التراجع عنه أو تعطيله.
ويجب أن يكون معيار نجاحه بسيطًا وواضحًا: هل يؤدي إلى وقف الحرب وحماية السكان؟ هل يفتح المعابر ويدخل المساعدات؟ هل يتيح إعادة إعمار غزة؟ هل يحافظ على وحدة القطاع والضفة؟ وهل يهيئ لعودة الحياة السياسية الديمقراطية؟
إن لم يحقق هذه الأهداف، فسيبقى مجرد تفاهم مؤقت لا يعالج جذور الأزمة.
الاعتراف بالجهود لا يعني احتكار الإنجاز
ليس من الإنصاف اختزال الوصول إلى الاتفاق في طرف واحد، فالتفاهمات السياسية الكبرى عادة ما تكون نتيجة جهود متعددة، تشارك فيها قوى فلسطينية ودول عربية ووسطاء وشخصيات عملت في العلن وخلف الكواليس.
لكن الإنصاف ذاته يقتضي إبراز الدور الذي قام به محمد دحلان وسمير المشهراوي في فتح قنوات الاتصال، وتقديم الأفكار، وتخفيف حدة الخلاف، ودفع الأطراف نحو التوافق.
ففي الوقت الذي اختار فيه البعض مراقبة مأساة غزة من بعيد أو استثمارها في الصراعات السياسية، تحرك دحلان والمشهراوي باتجاه الأطراف المؤثرة، وحاولا تحويل علاقاتهما وخبرتهما إلى أدوات تخدم الوصول إلى حل.
كما أن نجاحهما في التواصل مع حماس يعكس نضجًا سياسيًا مهمًا، لأن الخلافات السابقة لم تمنع البحث عن أرضية مشتركة عندما أصبحت مصلحة غزة والشعب الفلسطيني على المحك.
غزة تحتاج إلى شجاعة السلام الداخلي
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفلسطينيين لا يستطيعون مواجهة الاحتلال وهم منقسمون، ولا يمكنهم بناء مؤسساتهم بينما يستهلكون طاقتهم في صراعات داخلية متواصلة.
والاتفاق الأخير يمنحهم فرصة لاستعادة السياسة بوصفها وسيلة لحماية المجتمع وتحقيق المصالح، لا مجرد مساحة للتنافس على السلطة والنفوذ.
إن التحول الإيجابي في موقف حماس، والجهود التي بذلها محمد دحلان وسمير المشهراوي، يمكن أن تشكل قاعدة لمرحلة جديدة، شرط أن تتوفر الإرادة الحقيقية لحماية الاتفاق وتطويره.
المطلوب اليوم ليس البحث عن المنتصر في التفاهمات، بل التأكد من أن غزة وأهلها هم المستفيدون الحقيقيون منها.
فبعد كل ما تعرض له القطاع، لم يعد الفلسطينيون بحاجة إلى خطابات إضافية أو وعود جديدة. إنهم يحتاجون إلى قيادة قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة، وإلى قوى سياسية تدرك أن التراجع خطوة عن المصلحة التنظيمية قد يكون تقدمًا كبيرًا نحو المصلحة الوطنية.
لقد أظهرت حماس قدرًا من المرونة يستحق البناء عليه، وأثبت دحلان والمشهراوي أن التواصل والحوار يستطيعان فتح الأبواب التي أغلقتها سنوات الانقسام.
والمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الاتفاق سيبقى حدثًا عابرًا، أم سيشكل بداية تحول حقيقي يعيد غزة إلى حضن المشروع الوطني، ويضع القضية الفلسطينية على طريق الوحدة والتعافي من جديد.





