تقاريرثابت

جيل يُنتزع من طفولته… أطفال غزة بين الركام والمرض والخيام

الخامسة للأنباء - غزة

جيل يُنتزع من طفولته… تقرير خاص إعداد: سهر دهليز 

لم يعد الموت في غزة يأتي من السماء وحدها. فحتى الأطفال الذين نجوا من القصف. وجدوا أنفسهم في مواجهة الجوع والمرض وانهيار المنظومة الصحية.

وبين سريرٍ في مستشفى يعجز عن توفير العلاج، وخيمةٍ لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء. يكبر أطفال غزة وهم يخوضون معركة يومية من أجل البقاء. فمن ينجو من القصف. قد يهزمه انتظار علاج لا يصل، ومن ينجو من الإصابة، قد تسلبه الحرب حقه في التعليم أو الأمان أو حتى طفولته.

هكذا تتشكل ملامح جيل كامل يواجه خطر الضياع. في واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية التي يعيشها أطفال القطاع.

ولا تمثل هذه القصص حالات فردية، بل تعكس واقع آلاف الأطفال في قطاع غزة. فوفقًا لأحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) فبراير 2026. قتل أكثر من 21 ألف طفل، وأصيب أكثر من 44 ألفًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما يحتاج أكثر من مليون طفل إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 100 ألف طفل دون سن الخامسة معرضون لسوء التغذية الحاد. في ظل الانهيار المتواصل للقطاع الصحي.

وتختزل قصة عائلة أبو الحسنى جانبًا من هذه المأساة

محمد وآمنة… نجا من الركام وتنتظر شقيقته النجاة

“نجا ابني من تحت الركام… واليوم أخشى أن أفقد طفلتي الرضيعة وهي تنتظر فرصة للحياة.”

لم يكن يوسف محمد أحمد أبو الحسنى يتخيل أن نجاة طفليه من الموت ستكون بداية رحلة أخرى من المعاناة. فالحرب التي سلبت أسرته منزلها وأمانها لم تنتهِ بخروجهم أحياء من تحت الأنقاض، بل تركت لكل فرد منها جرحًا مختلفًا؛ أحدهما يطارد طفله محمد في ذاكرته وجسده. والآخر يهدد حياة رضيعته آمنة وهي تصارع المرض داخل المستشفى.

يستعيد الأب تفاصيل اليوم الذي غيّر حياة أسرته قائلاً: “قبل عامين، كان محمد، الذي يبلغ اليوم عشرة أعوام. يلعب أمام منزلنا مع ابنة خاله، عندما استهدف الاحتلال منزلًا مجاورًا يعود لعائلة علوان. خلال لحظات تحول المكان إلى ركام، واستشهد أكثر من 120 شخصًا. كانت ابنة خاله من بين الشهداء، أما محمد فانتشلناه من تحت الأنقاض وهو على قيد الحياة”.

لكن النجاة، كما يقول، لم تكن نهاية المأساة، بل بدايتها

“منذ ذلك اليوم لم يعد محمد الطفل الذي عرفناه. أصيب باضطرابات نفسية حادة نتيجة الصدمة.

ومع مرور الوقت أظهرت الفحوصات زيادة في النشاط الكهربائي بالدماغ. وأصبحت نوبات التشنج تلازمه بشكل يومي. أحتفظ بالتقارير الطبية التي توثق حالته، لكنني أعجز عن تخفيف ألمه أو إعادة طفولته التي دفنت تحت ركام الحرب”.

وبينما كانت الأسرة تحاول التكيف مع معاناة محمد. وجدت نفسها أمام معركة أخرى مع طفلتهما الرضيعة آمنة، التي لم تتجاوز تسعة أشهر من عمرها.

معاناة سوء التغذية

قال والدها: “ولدت آمنة في الشهر الثامن بعد أن عانت والدتها من سوء تغذية شديد أثناء الحمل. في البداية اعتقدنا أنها بخير، لكن الفحوصات كشفت إصابتها بتضخم في القلب نتيجة ضعف في عضلته. مع ارتجاع في الصمام الميترالي أدى إلى شبه انسداد في الشريان الرئوي”.

ترقد آمنة منذ أسبوعين على سرير في مستشفى شهداء الأقصى، بينما يراقب والدها أجهزة قياس الأكسجين أكثر مما يراقب عقارب الساعة. في انتظار فرصة للعلاج خارج القطاع.

وأضاف أبو الحسنى: “تعاني من التهاب حاد في الصدر، ونقص في البوتاسيوم، وإصابة بالأميبيا. وارتفاع مستمر في درجة الحرارة. إضافة إلى انخفاض متكرر في نسبة الأكسجين يهدد حياتها في كل لحظة”.

ورغم حصولها على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، ما تزال آمنة تنتظر السماح لها بالمغادرة. فيما يحاول الأطباء، بإمكانات محدودة، الحفاظ على حياتها.

وتابع حديثه: “لم نفقد منزلنا فقط، بل فقدنا شعورنا بالأمان والاستقرار. أصبح كل يوم معركة جديدة؛ محمد يصارع آثار الصدمة التي تطارده منذ عامين. وآمنة تصارع مرضًا يهدد قلبها الصغير، وأنا أقف بين سريريهما عاجزًا، لا أملك سوى الدعاء والأمل”.

واختتم أبو الحسنى مناشدته قائلاً: “لا أطلب المستحيل، بل أطالب بحق طفليّ في العلاج والحياة. أرجو أن تحصل آمنة على فرصة عاجلة للعلاج قبل فوات الأوان، وأن يجد محمد فرصة لاستعادة طفولته التي دفنت تحت ركام الحرب”.

ولا تختزل قصة محمد وآمنة سوى جانبًا من مأساة جيل كامل في قطاع غزة، حيث لم يعد الأطفال يواجهون خطر القصف وحده، بل أيضًا تبعات انهيار المنظومة الصحية، ونقص الأدوية، واستمرار الحصار.

من داخل المستشفيات… سباق يومي مع الموت

وفي هذا السياق، حذر الناطق باسم مستشفى شهداء الأقصى، الدكتور خليل الدقران، من كارثة صحية وإنسانية متفاقمة تهدد حياة آلاف الأطفال. مؤكدًا أن الحرب والحصار حوّلا الأطفال إلى الفئة الأكثر تضررًا. سواء جراء الاستهداف المباشر أو بسبب انهيار المنظومة الصحية وغياب الغذاء والدواء.

ويرى الدقران، إن حجم المأساة لا تعكسه الأرقام وحدها، فآلاف الأطفال قتلوا. وآلاف آخرون ينتظرون العلاج نتيجة منع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية. مشيرًا إلى أن أكثر من أربعة آلاف طفل ما زالوا ينتظرون الإجلاء للعلاج خارج قطاع غزة. بينما يؤدي تأخير سفرهم إلى تدهور حالاتهم الصحية وارتفاع أعداد الوفيات.

ولفت إلى أن سوء التغذية بلغ مستويات خطيرة، ما أدى إلى ضعف المناعة وتأخر النمو وارتفاع وفيات الأطفال. خاصة حديثي الولادة، في وقت يعيش فيه الأطفال داخل خيام تفتقر إلى المياه النظيفة والغذاء والرعاية الصحية، الأمر الذي تسبب في انتشار واسع للأمراض.

ودعا الدقران المجتمع الدولي ومنظمة الصحة العالمية إلى التحرك العاجل لفتح المعابر. وإدخال الأدوية والمساعدات الإنسانية، وتسريع إجلاء الأطفال المرضى والجرحى. محذرًا من أن استمرار الأوضاع الحالية يهدد حياة آلاف الأطفال ومستقبل جيل كامل في قطاع غزة.

ولا تقتصر معاناة أطفال غزة على المرض والإصابات. بل تمتد إلى آلاف الأطفال الذين كبروا في خيام النزوح

 سيلا وسيلين… طفولة لا تعرف سوى الخيام

على أطراف خيمة مهترئة، تجلس سيلا ترسم بأصابعها خطوطًا على الرمل. بعدما أصبحت الأرض دفترها الوحيد، والخيمة فصلها الدراسي الوحيد. فلم تكن أمل شيخ العيد تتخيل يومًا أن تكبر ابنتاها وهما لا تعرفان من العالم سوى الخيام.

فعندما اندلعت الحرب، كانت سيلين رضيعة لم يتجاوز عمرها تسعة أشهر. أما اليوم فقد بلغت الثالثة والنصف، بينما تكبر شقيقتها سيلا. ذات الستة أعوام، بعيدًا عن المدرسة والبيت وكل ما يشبه الطفولة.

تعيش أمل اليوم نازحة في خيمة بمنطقة العطار، وهي حامل تنتظر مولودها الجديد وسط ظروف تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. وتقول إن أكثر ما يؤلمها ليس فقدان المنزل، بل أن ترى طفلتيها تكبران في واقع حُرمتا فيه من التعليم واللعب والأمان.

وأضافت: “أعرف أن ما أقدمه لا يعوض المدرسة، لكنني أخشى أن تمر السنوات دون أن تتعلم طفلتاي شيئًا. لذلك أحاول أن أصنع لهما داخل الخيمة عالمًا مختلفًا؛ أعلّمهما الحروف والأرقام. وأبتكر لهما ألعابًا بسيطة بما هو متاح، حتى تشعرا أن الحياة لم تتوقف”.

وسائل تعليمية بما تملك

ولم تكتفِ أمل بذلك، بل حولت هاتفها المحمول إلى وسيلة تعليم. فبدأت بتصوير مقاطع فيديو تعليمية تشارك فيها طفلتاها وتنشرها عبر صفحتها على “فيسبوك”، في محاولة لتعزيز ثقتهما بنفسيهما. وإثبات أن الحرب لن تنتزع منهما حقهما في التعلم.

ولم يقتصر ما خسرته الطفلتان على التعليم، بل فقدتا أيضًا البيت والألعاب ودفء الحياة اليومية. فبعد أن كان لكل واحدة منهما غرفتها وألعابها، أصبحتا تنامان على فرشة رقيقة داخل خيمة. وتحول اللعب إلى الرمال وعلب المعلبات الفارغة بعد أن أتلف النزوح ما تبقى من ألعابهما.

واختتمت أمل حديثها قائلة: “لا أريد لبناتي أن يتذكرن طفولتهن على أنها كانت مجرد حرب وخيمة ونزوح. أريد أن أزرع في قلوبهن الأمل. لكن الحقيقة المؤلمة أنهن يكبرن في مكان حرمهن من أبسط حقوقهن؛ فلا بيت يحتضنهن، ولا مدرسة تعلمهن، ولا ألعاب تملأ أيامهن، ولا أمان يطمئن قلوبهن. كل ما أتمناه أن يأتي يوم يعرف فيه أطفالي كيف تبدو الطفولة التي سُلبت منهم”.

 جراح لا ترى… صدمات نفسية تهدد مستقبل الأطفال

وأكد الإخصائي النفسي والاجتماعي إبراهيم مطر أن أطفال غزة لا يعيشون حربًا عابرة. بل صدمات نفسية متواصلة تترك آثارًا عميقة على نموهم وشخصياتهم، موضحًا أن الخوف أصبح جزءًا من حياتهم اليومية نتيجة القصف المتكرر، والنزوح، وفقدان الأحبة. وغياب الشعور بالأمان.

ولفت إلى أن هذه الصدمات تظهر في صورة اضطرابات النوم والكوابيس. والتبول اللاإرادي، والخوف المفرط، والانطواء أو السلوك العدواني، مؤكدًا أن كثيرًا من الأطفال فقدوا الإحساس بالاستقرار بعد خسارة منازلهم ومدارسهم وأصدقائهم.

وشدد مطر على أن تعافي الأطفال لا يتحقق بالغذاء والدواء فقط، بل يتطلب دعمًا نفسيًا واجتماعيًا مستمرًا، وعودة التعليم، وتوفير بيئة آمنة. محذرًا من أن كل يوم يقضيه الطفل في الخوف والحرمان يترك آثارًا قد ترافقه لسنوات طويلة.

 حماية غائبة… والقانون الدولي أمام اختبار أخلاقي

ويرى الناشط الحقوقي ورئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، الدكتور صلاح عبد العاطي. أن ما يعيشه أطفال غزة لم يعد مجرد تداعيات حرب، بل يمثل انهيارًا شبه كامل لمنظومة الحماية التي كفلها القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل.

وأكد أن الطفل في غزة لم يعد مهددًا بفقدان حياته فقط، بل بفقدان طفولته ومستقبله وصحته. بعدما حرم من أبسط حقوقه في التعليم والرعاية الصحية والغذاء والمأوى واللعب والأمان. محذرًا من أن آثار هذه الانتهاكات سترافق جيلاً كاملًا لسنوات طويلة.

وأشار عبد العاطي إلى أن أكثر من مليون طفل يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي. في وقت خرجت فيه معظم مراكز الصحة النفسية عن الخدمة. ما يفاقم معاناة الأطفال الذين يعيشون صدمات متواصلة دون أي رعاية متخصصة.

وشدد على أن حماية أطفال غزة ليست قضية إنسانية فحسب، بل التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق المجتمع الدولي. داعيًا إلى وقف الانتهاكات، وضمان العلاج والتعليم والحماية للأطفال، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم. مؤكدًا أن “وراء كل رقم طفلًا له اسم وحياة وأحلام سُلبت منه.”

قد تختلف أسماء الأطفال، لكن الحكاية واحدة. فمحمد، وآمنة، وسيلا، وسيلين ليسوا سوى وجوهٍ لآلاف الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم.

وبين سرير مستشفى ينتظر دواءً، وخيمة تحل محل البيت والمدرسة، تُنتزع الطفولة يومًا بعد يوم. هؤلاء الأطفال لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل حقوقًا يفترض أن تكون بديهية: أن يعيشوا، وأن يتعلموا، وأن يكبروا في أمان. وحتى يتحقق ذلك، سيظل جيل كامل في غزة يحمل آثار حرب لم يخترها، وطفولة لم تتح له فرصة أن يعيشها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى