مع اقتراب انتهاء مهلة تجسيد حل الدولتين، إلى أين نحن ذاهبون؟

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: د. محمد عودة
تحت سماءٍ ملبدة بخيبات أمل الأجيال الفلسطينية، وعقود طويلة من الصمود و المعاناة ، تمثل قضية الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر القضايا إيلامًا، وواحدة من أصعب الاختبارات لقدرة المجتمع الدولي على تحويل مبادئ العدالة والقانون إلى واقع، فقد بقيت القضية الفلسطينية، رغم عشرات القرارات والمبادرات، عالقة بين قوة تفرض الأمر الواقع وقانون دولي يعجز عن فرض نفسه.
ومن هنا اكتسى المؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، الذي رعته المملكة العربية السعودية وفرنسا في إطار الأمم المتحدة، والذي عقد في نهاية تموز 2025 وما انتهى إليه من «إعلان نيويورك»، الذي يسعى الى فتح مسار مختلف عن المفاوضات الثنائية التي استمرت عقودًا من دون أن تنجح في إنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية.
وقد اكتسب الإعلان وزنًا سياسيًا واضحًا من حجم التأييد الذي حصل عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ أيدته 142 دولة، في مقابل عشر دول عارضته واثنتي عشرة دولة امتنعت عن التصويت، وهذا الرقم يمنح الفلسطينين شعورًا بأنهم ليسو وحيدين في مواجهة هذا الواقع، وأن أصواتًا كثيرة في العالم ما تزال تبحث عن إنصاف طال انتظاره، وفي الوقت نفسه، يكشف حجم الفجوة بين موقف دولي واسع يؤيد المسار، وبين الموقف الإسرائيلي والأمريكي الرافض له.
فقد وقفت إسرائيل والولايات المتحدة في مقدمة المعارضين، إلى جانب الأرجنتين والمجر وعدد من دول المحيط الهادئ، بينما اختارت دول أخرى، بينها التشيك، الامتناع. ولا يعني ذلك أن الخلاف الدولي قد حُسم، لكنه يؤكد أن حل الدولتين ما زال يحظى بتأييد دولي واسع، وأن المشكلة لم تعد في غياب الاعتراف بالمبدأ، بل في كيفية الانتقال من الاعتراف إلى التنفيذ.
وهنا تكمن المسألة الأهم، فالفلسطينيون لم يعودوا بحاجة إلى إعلان جديد يؤكد حقهم في الدولة بقدر حاجتهم إلى مسار يستطيع أن يقرّب هذه الدولة من الواقع، ولذلك حاول المؤتمر تجاوز النموذج القديم الذي أبقى المفاوضات مفتوحة بلا نهاية، ووضع تصورًا لمسار متعدد الأطراف يتضمن خطوات سياسية واقتصادية وأمنية وقانونية، ويبحث عن إطار زمني واضح لإنجاز الانتقال نحو الدولة الفلسطينية.
لكن أي مسار دولي سيظل محدود الأثر إذا لم يمتلك وسيلة للتعامل مع الطرف الذي يرفضه، وهذه هي العقدة التي واجهت المبادرات السابقة؛ فقد كانت الشرعية الدولية موجودة، والقرارات موجودة، والمواقف الدولية موجودة، لكن الاحتلال والاستيطان استمرا على الأرض.
لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد إعلان نيويورك ليس كم دولة أيدته، وإن كان الرقم مهمًا، وإنما ماذا ستفعل هذه الدول إذا قررت إسرائيل رفض التنفيذ؟ وهل يمكن أن يتحول التأييد الواسع داخل الجمعية العامة إلى موقف سياسي واقتصادي وقانوني قادر على تغيير الحسابات الإسرائيلية، أم يبقى في حدود التعبير عن موقف أخلاقي وسياسي؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر بسبب ارتباط المسار الفلسطيني بالمسار الإقليمي، فالإعلان يضع قيام الدولة الفلسطينية في صلب أي ترتيبات إقليمية أوسع، بما في ذلك التطبيع والاندماج الاقتصادي والأمني.
وإذا جرى التعامل مع هذا الربط بجدية، فإنه يمكن أن يغير شيئًا في المعادلة التي سادت خلال السنوات الماضية، حين بدا أن مسار التطبيع يستطيع أن يتقدم بمعزل عن القضية الفلسطينية، أما إذا أصبح قيام الدولة الفلسطينية شرطًا فعليًا للتطبيع والاندماج الإقليمي، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام معادلة مختلفة: المكاسب الإقليمية التي تسعى إليها لن تكون منفصلة عن إنهاء الاحتلال والوصول إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين.
غير أن المسار الدولي لا يطلب من إسرائيل وحدها تقديم شيء، فالفلسطينيون أيضًا أمام مجموعة من الاستحقاقات السياسية والمؤسسية، وهذه نقطة لا ينبغي تجاهلها؛ لأن الدولة لا تقوم بالاعتراف الدولي وحده، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل، ونظام سياسي يستند إلى الشرعية الشعبية، وانتخابات تجدد الثقة بالمؤسسات، وإدارة عامة أكثر كفاءة، ونظام رقابي وقضائي قادر على حماية القانون، واقتصاد يستطيع الصمود أمام الضغوط.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الانتخابات البلدية والنقابية التي جرت، وإلى انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، وإلى تحديد موعد الانتخابات التشريعية، باعتبارها أجزاء من مسار أوسع لإعادة بناء الشرعية الفلسطينية.
فالانتخابات ليست مجرد استحقاق يطلبه الخارج، وإنما حاجة فلسطينية أيضًا، وإذا كان الفلسطينيون يريدون الانتقال من سلطة محدودة الصلاحيات إلى دولة، فإن عليهم أن يمتلكوا نظامًا سياسيًا قادرًا على تمثيل شعبهم وإدارة مؤسساتهم، وأن تكون لهذه المؤسسات شرعية لا تعتمد فقط على الاعتراف الدولي.
ويتصل بذلك ملف الإصلاح الداخلي، من مكافحة الفساد المالي والإداري إلى تطوير الإدارة العامة وتحسين الحوكمة، وإعادة تنظيم بعض أنظمة الرعاية الاجتماعية، وإجراء إصلاحات في التعليم وغيرها من المجالات، وقد أصبح هذا الجانب جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل السلطة الفلسطينية، خصوصًا أن المجتمع الدولي لا يريد أن يقدم الدعم لدولة لا تستطيع إدارة مؤسساتها أو حماية المال العام أو توفير الخدمات لمواطنيها.
هنا تظهر المفارقة التي قد تحدد مصير هذا المسار كله: ماذا لو نفذ الفلسطينيون كل ما طُلب منهم؟ ماذا لو جرت الانتخابات، وتقدمت الإصلاحات، وتجددت الشرعيات، وتطورت المؤسسات، واستمرت الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، بينما بقيت إسرائيل على موقفها الرافض، واستمر الاحتلال والاستيطان، واستمرت الولايات المتحدة في توفير الغطاء السياسي لها؟
في هذه الحالة لن تكون المسألة مجرد خلاف بين طرفين حول تفاصيل اتفاق، بل سنكون أمام اختبار حقيقي لفكرة المسار الدولي نفسه، فإذا أثبت الفلسطينيون أنهم مستعدون لإعادة بناء مؤسساتهم وتجديد شرعيتهم، بينما رفضت إسرائيل إنهاء الاحتلال، فإن استمرار الوضع القائم سيضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مختلفة، إذ لن يكون من السهل الاستمرار في مطالبة الفلسطينيين بالمزيد من الإصلاحات والتنازلات، بينما لا يواجه الطرف الذي يسيطر فعليًا على الأرض الكلفة نفسها لرفض الحل.
وقد يحمل نجاح الفلسطينيين في هذا الجانب نتيجة سياسية مهمة، فكلما ازدادت شرعية المؤسسات الفلسطينية، واتسع الاعتراف الدولي بالدولة، وتكرست الانتخابات، أصبح من الممكن التعامل مع السلطة الفلسطينية باعتبارها جزءًا من مؤسسات دولة تحت الاحتلال، لا مجرد إدارة محلية محدودة الصلاحيات، وهذا التحول قد يمنح الفلسطينيين أدوات سياسية وقانونية أوسع، ويعزز قدرتهم على التعامل مع المجتمع الدولي، ويجعل الاعتراف بالدولة الفلسطينية أكثر من مجرد موقف دبلوماسي.
لكن الوجه الآخر أكثر خطورة. فإذا بقيت الإصلاحات الفلسطينية محصورة في المؤسسات، بينما ظل الاحتلال قادرًا على التحكم بالأرض والحركة والموارد، فقد يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام دولة تُبنى على الورق بينما تُهدم مقوماتها على الأرض، وتزداد المشكلة خطورة إذا استمر الضغط المالي الإسرائيلي، بما في ذلك حجب أو اقتطاع أموال المقاصة، لأن السلطة التي تعجز عن دفع رواتب موظفيها أو تقديم الخدمات الأساسية ستفقد جزءًا من قدرتها على القيام بالدور المطلوب منها.
وهنا لا يعود الخطر ماليًا فقط، فالأزمة المالية يمكن أن تتحول إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة يمكن أن تتحول إلى أزمة سياسية، والمواطن البسيط الذي يُطلب منه اليوم أن يمنح ثقته لصناديق الاقتراع والمؤسسات، قد يسأل بمرارة عن جدوى هذا المخاض برمته إذا بقيت هذه المؤسسات عاجزة عن حماية رغيف خبزه أو تأمين كرامة أطفاله تحت وطأة الاحتلال، ولذلك فإن بناء المؤسسات الفلسطينية لا يمكن فصله عن توفير الظروف التي تسمح لهذه المؤسسات بالعمل.
وعند هذه النقطة تصبح أدوات الضغط الدولي هي الاختبار الحقيقي، فإذا رفضت إسرائيل المسار، فإن الاعترافات الدولية وحدها لن تكون كافية، والمطلوب أن تتحول الشرعية السياسية إلى إجراءات لها أثر، سواء من خلال توسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أو دعم التحركات القانونية الدولية، أو التعامل مع الاستيطان باعتباره عائقًا أمام السلام وليس مجرد قضية خلافية، أو مراجعة بعض أشكال التعاون العسكري والاقتصادي والدبلوماسي مع إسرائيل.
فالمقصود ليس العقوبة من أجل العقوبة، وإنما جعل استمرار الاحتلال مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا وقانونيًا، بدل أن يبقى أقل كلفة من إنهائه. لكن ذلك كله يتوقف على سؤال آخر: هل تستطيع الدول التي صوتت لصالح الإعلان أن تتصرف ككتلة سياسية متماسكة عندما تبدأ مرحلة التنفيذ؟
فالدول الـ142 التي أيدت الإعلان تمثل وزنًا دوليًا كبيرًا، لكنها لن تغير الواقع بمجرد وجودها في قاعة الجمعية العامة. والقوة الحقيقية لهذا الرقم تظهر عندما تتحول المواقف إلى سياسات متناسقة، وعندما يصبح رفض إسرائيل للتسوية موضوعًا للمساءلة الدولية، لا مجرد موقف سياسي يمكن تجاوزه.
وفي الجانب الفلسطيني، تبقى وحدة النظام السياسي شرطًا لا غنى عنه، فالدولة التي يجري الحديث عنها لا يمكن أن تقوم في ظل الانقسام، أو تعدد مراكز القرار، أو مؤسسات متوازية، أو شرعيات متنافسة. ومن هنا فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها استجابة لمتطلبات المسار الدولي، بل فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة أوسع من المشاركة والشرعية والمساءلة، فالدولة تحتاج إلى شعب موحد سياسيًا بقدر حاجتها إلى الاعتراف الدولي.
وهنا تتضح المفارقة التي قد تكون جوهر المرحلة المقبلة: المجتمع الدولي يطالب الفلسطينيين بإثبات قدرتهم على بناء دولة، في الوقت الذي يفترض فيه أن يعمل على إنهاء الاحتلال الذي يمنع هذه الدولة من ممارسة سيادتها، وإذا نفذ الفلسطينيون الجزء المتعلق بهم، وبقيت إسرائيل ترفض الجزء المتعلق بها، فإن القضية لن تعود قضية التزام فلسطيني أو إسرائيلي فقط، بل ستصبح اختبارًا لجدية المجتمع الدولي نفسه.
ولهذا فإن قيمة إعلان نيويورك لن تحددها صياغاته ولا عدد الدول التي أيدته، وإنما ما سيحدث بعده، هل يستطيع هذا المسار أن ينقل القضية الفلسطينية من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة معالجة أسبابه؟ وهل يستطيع أن يجعل حل الدولتين مسارًا له ثمن سياسي على من يرفضه، بدل أن يبقى مجرد خيار يحظى بالتأييد النظري؟ وهل ستتحول الانتخابات والإصلاحات الفلسطينية إلى مدخل حقيقي لبناء مؤسسات الدولة، أم ستظل محاولة لبناء مؤسسات تعمل تحت سقف احتلال قادر على تعطيلها متى شاء؟
وفي النهاية، إذا فشل هذا المسار الدولي وسقطت فرصة إقامة الدولتين، فسنكون أمام مفترق طرق وجودي قاسٍ يضع الجميع أمام خيارات أكثر خطورة: إما تكريس بقاء الاحتلال بنظام فصل عنصري أشد قسوة سيولد انفجار شعبي عارم سيدفع ثمنه الاحتلال اولا والسلطة التي انجزت كل ما هو مطلوب منها إلا توفير حياة كلريمة لمواطنيها، وإما الانزلاق نحو خيار «الدولة الواحدة» من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، بصراعاته الديموغرافية والوجودية المعقدة، عندها فقط سيتضح ما إذا كان إعلان نيويورك يمثل بداية لمسار مختلف، أم مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من القرارات التي امتلكت الشرعية ولم تمتلك القوة اللازمة لتنفيذها.





