تقاريرثابت

بين الحجر والشجر.. موسم الزيتون في غزة يبحث عن طريق للنجاة

الخامسة للأنباء - غزة

موسم الزيتون في غزة يبحث عن طريق للنجاة إعداد: سهر دهليز

لم يعد موسم الزيتون في غزة يشبه ما عرفه المزارعون والعمال قبل الحرب؛ فالأرض التي كانت تمتد بأشجار الزيتون وتوفر العمل ومصدرًا للدخل، تحولت مساحات واسعة منها إلى أراضٍ مدمرة أو مناطق يصعب الوصول إليها.

وبين ما نجا من الحجر وما بقي من الشجر، يحاول المزارعون والعمال الوصول إلى ما تبقى من أشجار الزيتون، في موسم تقلصت فيه المساحات والإنتاج وفرص العمل، وارتفعت فيه كلفة الزراعة والحصاد.

وتشير إحصاءات فلسطينية إلى أن أكثر من 1.6 مليون شجرة زيتون دُمّرت في قطاع غزة خلال الحرب، وفق وزارة الزراعة الفلسطينية. كما تراجعت أعداد أشجار الزيتون من نحو مليوني شجرة قبل الحرب إلى نحو 150 ألف شجرة، بحسب بيانات نقلتها وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية “وفا” في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

أما المساحات المزروعة بالزيتون، فقد تقلصت بصورة حادة؛ إذ تشير تقديرات سابقة إلى تراجعها من نحو 50 ألف دونم إلى نحو 4 آلاف دونم، فيما أظهرت تقديرات أحدث لموسم 2026 أن المساحة المتاحة للزيتون تقدر بنحو 5 آلاف دونم.

 أيام قليلة بدل موسم كامل

في أحد البساتين الصغيرة الواقعة بين المنازل، يقف أحمد خضر، 39 عامًا، عاملًا يحاول اقتناص ما تبقى من فرص العمل في موسم الزيتون.

يتذكر أحمد كيف كان موسم الزيتون قبل الحرب يوفر له العمل لنحو شهر أو شهر ونصف، أما اليوم فلا تتجاوز فرص عمله في الموسم أسبوعًا واحدًا، وقد لا تتعدى أحيانًا ثلاثة أيام.

يقول أحمد: “إن المشكلة لا تتعلق فقط بقلة المحصول، بل أيضًا بصعوبة الوصول إلى الأراضي، فالكثير من الأراضي الزراعية باتت خارج متناول المزارعين، بينما دُمّرت أراضٍ أخرى أو أصبحت مأوى للنازحين، ولم يعد فيها مجال لممارسة الزراعة كما في السابق”.

وأضاف: “أن ما يستطيع العمل فيه حاليًا هو بستان صغير بين المنازل، بعيدًا عن المناطق التي يصعب الوصول إليها، وهو يصف واقع العمل الذي تغيّر مع تغير شكل الأرض نفسها”.

 الحرب هدمت الحجر والشجر

لا تختصر قصة الزيتون في محصول أقل أو أيام عمل أقل، فالضرر الذي يراه حوله يمتد إلى كل تفاصيل الحياة.

تابع أحمد : “الحرب خربت الدنيا، الحرب هذه هدمت الحجر والشجر، وما خلت لنا… والبنادمين أخذتهم، ما خلت لنا حاجة إلا حبة زيتون”.

ومع ذلك، يحاول أحمد ومن يعملون معه جمع ما تبقى من المحصول. لا يبحثون عن موسم وفير كما كان في السابق، وإنما عن فرصة للاستفادة من الأشجار التي نجت، وعن أيام عمل تساعدهم على تأمين احتياجاتهم في ظل ظروف قاسية.

وأضاف أحمد: “إنهم يريدون أن يأخذوا ما تبقى من الزيتون ويصنعوا منه شيئًا، لكن المشكلة تكمن في نقص الأدوات والمال والإمكانات اللازمة”.

 من وفرة المحصول إلى القليل المتاح

ولا يقتصر التراجع على المساحة وعدد الأشجار، بل امتد إلى كمية الإنتاج وقدرة القطاع الزراعي على العمل.

وبحسب تقديرات مرتبطة بموسم 2026، يقدر محصول الزيتون في غزة بنحو 5 آلاف طن، من مساحة تقارب 5 آلاف دونم، في وقت كانت فيه كميات الإنتاج قبل الحرب أكبر بكثير.

ويشرح خليل خضر منسي أن محصولًا كان يحتاج في السابق إلى نحو عشرة أيام لجمعه، يمكن الانتهاء منه اليوم خلال يومين أو ثلاثة، ليس لأن العمل أصبح أسهل، وإنما لأن كمية المحصول نفسها أصبحت أقل بكثير، حيث يظهر أثر هذا الانكماش حتى في عدد أيام الحصاد.

وقال منسي: “إن الإنتاج الحالي لا يتجاوز تقريبًا نصف ما كان يُنتج قبل الحرب”، مشيرًا إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية كانت تتركز في المناطق الشرقية من القطاع، وهي المناطق التي تعرضت لأضرار كبيرة وأصبحت أجزاء واسعة منها خارج قدرة المزارعين على الوصول إليها.

 شجر قليل.. وتكاليف كثيرة

وأضاف: “أن قبل الحرب، كانت مستلزمات الزراعة أكثر توفرًا وأقل كلفة، من الأسمدة إلى المياه والمبيدات والأدوات والعمالة. أما اليوم، فيواجه المزارعون نقصًا في هذه الاحتياجات وارتفاعًا في أسعار المتاح منها، إلى جانب صعوبة تأمين العمال والأدوات اللازمة للحصاد”.

وتشير تقييمات أممية إلى حجم الضرر الذي لحق بالقطاع الزراعي في غزة؛ فقد خلص تقييم لمنظمة الأغذية والزراعة “فاو” وبيانات الأقمار الصناعية إلى أن نحو 87% من الأراضي الزراعية تعرضت للضرر، فيما لحقت أضرار بنحو 90% من بساتين وأشجار الزيتون، كما تضرر نحو 87% من الآبار الزراعية.

وبحلول 24 يونيو/حزيران 2026، قدّرت “فاو” أن نحو 3% فقط من الأراضي الزراعية في غزة بقيت متاحة وقابلة للاستخدام دون أضرار، بينما كانت مساحات أخرى متاحة من حيث الوصول لكنها تحتاج إلى إعادة تأهيل.

 المعاصر تدفع الثمن

ولم تسلم معاصر الزيتون من آثار الحرب. فبعد أن كان قطاع غزة يضم نحو 39 إلى 40 معصرة، تشير تقديرات موسم 2026 إلى أن عدد المعاصر العاملة أو القادرة على العمل انخفض إلى نحو 8 معاصر.

وهذا التراجع يعكس حجم الانكماش الذي أصاب دورة إنتاج الزيتون كاملة؛ من الأرض والشجرة، إلى العامل، ثم المعصرة والزيت الذي يصل في النهاية إلى موائد العائلات.

 طريق للنجاة بين الحجر والشجر

في غزة، لم تعد شجرة الزيتون مجرد جزء من المشهد الزراعي؛ فهي بالنسبة لكثير من العائلات مصدر رزق، وارتباط بالأرض، وذاكرة لمواسم كانت تجمع العائلات في الحقول.

لكن الحرب قلصت المساحة التي يمكن الوصول إليها، وأتلفت الأشجار، وأضعفت القدرة على الزراعة والحصاد والإنتاج.

ومع ذلك، يعود العمال والمزارعون إلى ما تبقى من البساتين، يمدون أيديهم إلى أغصان نجت من الدمار، ويجمعون حبات قليلة من محصول أصبح أكثر ندرة.

وبين الحجر الذي غيّر ملامح الأرض، والشجر الذي يحاول البقاء، يبحث موسم الزيتون في غزة عن طريق للنجاة؛ ليس فقط لإنقاذ محصول هذا العام، وإنما للحفاظ على ما تبقى من شجرة ارتبطت لعقود بأرض الناس وسبل عيشهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى