الصحفية الشهيدة سعاد سكيك… حين يتوقف النبض تحت وطأة القهر

الخامسة للأنباء - غزة
الصحفية الشهيدة سعاد سكيك … أقمار الصحافة إعداد: آمنة غنام
في الماضي كنا نعتقد أن الرصاصة أو الصاروخ أو القذيفة هي أحد أسباب الموت في غزة، ولكن الحرب الطاحنة التي عايشتها غزة منذ أكتوبر 2023، أوضحت أن الاحتلال قادر على القتل بصور شتى، فالخذلان والقهر والنزوح والخوف كلها من أشكال وطرق القتل، وتتلخص هذه الطرق في كلمة واحدة هي “القهر”، فالقهر والخذلان سلبا الشهيدة الصحفية سعاد سكيك نبضات قلبها لتنضم لركب الراحلين ..فتعدد الأسباب والشهادة واحدة.
لم تكن الصحافة بالنسبة لسعاد سكيك مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية حملتها على عاتقها، لتنقل معاناة الناس وتوثّق تفاصيل حياتهم تحت الحرب، لكن هذه المرة، لم تكتفِ برواية الحكاية.. بل أصبحت هي الحكاية.
من قلب غزة
ولدت سعاد صائب سكيك في مدينة غزة في الثاني والعشرين من يناير عام 1987م، كانت الفتاة الوحيدة في عائلتها فأحاطتها عائلتها بكل الحب والدعم والحماية، نشأت في المدينة التي عاشت الكثير من التحديات، درست فيها وكبرت بين شوارع المدينة المكلومة، لتشق طريقها في العمل الإعلامي منذ سنوات مبكرة حيث تخرجت من قسم الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة.
عملت سعاد في عدد من المؤسسات الإعلامية المحلية منها إذاعة الإيمان وإذاعة صوت الشباب وقناة الكتاب، إضافة لعملها كمراسلة صحفية لعدة قنوات.
وصفها زملائها بأنها كانت ضميراً إنسانياً حياً، وحضورها الإعلامي كان مختلفاً لأنه نابع من تجربة شخصية داخل معاناة الحرب، كما كانت كلماتها وصوتها تنقل صورة غزة الحقيقية للعالم، بعيداً عن التجميل أو التحيّز، معتبرين أن فقدانها لا يمثل خسارة فردية فقط، بل خسارة لصوت إنساني كان يوثق الألم اليومي للناس بصوت قريب من القلب.
يوميات الخوف والفقد
عُرفت سعاد بحضورها الهادئ وأسلوبها الإنساني القريب من الناس، حيث لم تكن تكتفي بنقل الخبر، بل كانت تغوص في تفاصيله، وتمنحه بعداً إنسانياً صادقاً.
ومع تصاعد العدوان على قطاع غزة، وجدت نفسها في قلب المشهد الذي طالما نقلته، لم تعد فقط صحفية تغطي معاناة النازحين الذين يلاحقهم الموت، بل أصبحت واحدة منهم، فنزحت مع عائلتها، وعاشت تفاصيل الخوف اليومي، من فقدان الأمان إلى القلق المستمر على أطفالها، في ظل ظروف إنسانية قاسية داخل خيام النزوح.
في إحدى تغريداتها على منصات التواصل الاجتماعي، عبّرت سعاد عن شوقها البسيط الذي يشبه أمنيات آلاف الغزيين، العودة إلى المنزل، واستعادة الإحساس الطبيعي بالحياة قائلة : “باختصار بدي أروح ع داري، نفسي أصرخ من أعلى جبل، متى يقولوا خلصت الحرب؟ يا ترى هنكون عايشين؟ هنكون قادرين على الحياة أصلًا؟ احنا متنا قبل ما نموت”، لم تكن سعاد تعلم أن تلك الكلمات ستتحول لاحقاً إلى ما يشبه الوداع الأخير.
الصحفية الشهيدة سعاد سكيك.. الموت قهرًا
في الثامن والعشرين من يناير 2024، توقفت سعادة عن الكتابة والألم إلى الأبد، حيث توقف قلبها خلال نومها. رحلت بشكل مفاجئ بعد معاناة طويلة من الضغوط النفسية والإنسانية. التي أثقلت كاهلها تاركة خلفها طفلتيها التي ذقن ويلات الحرب والخوف ثم فقدان والدتهن.
لم يكن رحيلها نتيجة قصف مباشر، بل ماتت سعاد قهرًا. تراكمت عليها الصدمات والخسارات والوجع حتى انهار جسدها بصمت.
رحيل سعاد سكيك كشف جانباً آخر من الحرب، جانباً لا يظهر في الإحصائيات. بل في الألم الصامت الذي يعيشه الناس يومياً، ارتقاء سعاد هو تذكير بأن الحروب لا تقتل فقط بالقذائف. بل أيضاً بالضغط النفسي، وبالانتظار، وبالعجز.
رحلت سعاد، لكن صوتها لم يغب.. بقيت كلماتها شاهدة على مرحلة قاسية من تاريخ غزة. وبقيت قصتها رسالة إنسانية عميقة تختصر معاناة شعب بأكمله وأن الحكاية لا تنتهي.































