مقالات الخامسة

تحالفات مطلبية أم تحالفات لحظية 

د. سامي محمد الأخرس

الخامسة للأنباء - غزة

أعلن التلفزيون العربي أمس خبر عن عقد تحالف بين عدة قوى فلسطينية، مختلفة البرامج، ومتباينة الأهداف والرؤى سواء حول البرنامج السياسي أو الأيديولوجية. وهذه التباينات ربما حاول البعض في الحوارات القفز عنها من أحل تحقيق أهداف لحظية، فرضتها الوقائع السياسية في الساحة الفلسطينية. وأهما إعلان الرئيس محمود عباس إجراء الانتخابات التشريعية أواخر تشرين ثان (نوفمبر) 2026، في ظل حالة لا توازن وطني. وانحصار الأفق السياسي المستقبلي، سواء لغزة التي أصبحت محتلة، وركام، تسيطر عليها ثلاث قوى، حماس كسلطة قائمة- أمر واقع-، الإحتلال الإسرائيلي. وقوة وليدة في الرديف للإحتلال هي المليشيات المسلحة التي تسيطر على مناطق غزة الشرقية.

أولا: يحب تفكيك برامج وأهداف القوى المقترحة في هذا التحالف، وتباينات هذه القوى. والعوامل المتناقضة بينها، وكذلك البرامج المشتركة بينها أيضاً.

1. التيار الإصلاحي في حركة فتح، وهو التيار الذي يقوده السيد محمد دحلان. ومنذ تشكيل وتكوين هذا التيار، وهو على خط متواز مع فتح الرسمية بقيادة الرئيس محمود عباس، واختلافات وتباينات هذان التيارات، ليس حول البرامج السياسية. أو الرؤى والحلول السياسية، بل هما يعتبران نسخه كربونية لنفس المشروع، ولنفس البرامج. وإن كانت خلافاتهما نتيجة صراعات داخلية في حركة فتح حول موازين القوى، اما حماس فهناك تباينات كبرى، وتناقضات كبيرة جداً، وفجوة شاسعة بين القوتين. سواء حول البرنامج السياسي، أو حول الرؤية السياسية، أو حول المستقبل الوطني والحلول للقضية الوطنية، فنا يؤمن به التيار الإصلاحي بعيد جداً عما تؤمن به حماس، أو تقتنع به، ويتمثل في العديد من النقاط، أهمها:

أ. مفهوم المقاومة، ورؤيتها، وأسلوبها، وأدواتها، فالتيار الإصلاحي اقرب للإيمان بمفهوم المقاومة الواسع الذي يعتبر المقاومة الشعبية أسلوباً أكثر نجاعة، وأكثر تحقيقاً للأهداف الوطنية، عكس حرمة حماس التي تؤمن بالعنف العسكري المسلح، وسيلة وغاية في مواجهة دولة الكيان، وأن الطريق إلى القدس يمر عبر البندقية أولا واخيرا.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ب. عملية السلام، وما تتمخض عنه من نتائج، فالتيار الإصلاحي يؤمن قطعاً أن إمكانية السلام، حقيقة ممكنة التحقيق من خلال التفاوض المباشر مع إسرائيل، وإمكانية تحقيق ذلك واردة ويمكن تحقيقها، وهذا الإعتقاد لا يتمثل في الفكر والأيديولوحيا الحمساوية الدينية التي تؤمن بحتمية التحرير القرأنية من البحر للنهر، بغض النظر عن الوقائع السياسية الأخرى.

ب. اليسار الفلسطيني والتيار الإصلاحي:

ربما يلتقي اليسار الفلسطيني وخاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع حركة حماس أكثر من إلتقائها مع التيار الإصلاحي، وهذا نتيجة عدة عوامل:

أ. يرى اليسار الفلسطيني بحركة حماس قوة تشترك معهم في البرنامج السياسي القائم على المقاومة المسلحة، والعنف الثوري أولا، ومن ثم المصلحة المشتركة في مواجهة تفرد حركة فتح، وتفرد الرئيس محمود عباس بالقرار، وبمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما دفع الجبهة الشعبية لتجميد عضويتها في اللجنة التنفيذية للأخيرة، والتقارب مع حركة حماس أو قوى الإسلام السياسي في تحالفات عديدة رغم التباين والتناقض الأيديولوجي بين الفكر اليساري، والفكرة الدينية، هذا التقارب، وهذه الشراكة التحالفية لا تتوفر بالتيار الإصلاحي الذي يعتبر جزء من حركة فتح وبرنامجها السياسي، ورؤيتها للحلول السلمية التي تواجهها الجبهة الشعبية وحركات الإسلام السياسي.

أمام هذه المداخيل، فإن الدعوة لقائمة تحالفية أو برنامج تحالفي هو يستهدف الفعل اللحظي سياسياً، ووطنيا لمواجهة التيار الأقوى في السلطة الوطنية الفلسطينية، لكنه مبني على تكتيكات لحظية توافقية، تؤجل كل ما يمكن أن يطرح على طاولة الحوارات التفصيلية، أي أنه تحالف يحمل، مساعي الوصول إلى السلطة أكثر من سعيه لعملية إنقاذ وطني، أو عملية تعافي آنية يتطلع لها شعبنا الفلسطيني، وعلى وجه التحديد غزة

هل ينجح التحالف؟!

منذ عام 2007 ومعظم النخب والمثقفون الفلسطينيين، والسياسيين ومؤسسات المجتمع المدني تطالب النظام الفلسطيني بالوحدة، والإلتفاف على الإنقسام الفلسطيني – الفلسطيني، ولكن مع السابع من أكتوبر وما شهدته غزة من حرب إبادة، شهد المزاج الشعبي الفلسطيني تغيرا جوهرياً، هذا التحول كان نتيجة احداث على الأرض، ووقائع طرحتها الحرب في الميدان، فشعبنا الفلسطيني، أصبح أكثر استعداداً للتجاوب مع حلول لنتائج الهرب الكارثية، وأصبح مهيئا للتفاعل مع حلول تعافي، تؤمن له حياة كريمة، بعيداً عن الحلول السياسية طويلة الأمد. كما أن شعبنا الفلسطيني أصبح فاقد الثقة بالحاضنة الداخلية، أي القوى التي تشكل الجبهة الداخلية التي سقطت فعلاً، وسلوكاً منذ الأسبوع الأول للحرب، وفقدت دورها الفاعل بين جماهير شعبنا، ولم تعد قادرة على تقديم أي حلول تعافي أو إنقاذ للبؤس الشعبي الناتج عن السابع من أكتوبر، ناهيك على أن سلوك حركة حماس قائدة السلطة في غزة، لم يتغير ولم يشهد تغيير ملموس على مستوى السلوك الداخلي، بل تركت الأمور تسير بشكلها التقليدي، وتدخلات تزيد من الأزمة ولا تعالجها.

أمام هذه المعطيات كان الحضور الفاعل والمؤثر في عمق الأزمة، هو الحضور للتيار الإصلاحي في حركة فتح عبر عمليات (الفارس الشهم)، والخدمات المطلبية الضرورية التي كان شعبنا يعتبرها هي طوق النجاة الفعلي في حرب الإبادة.

أمام هذه المعطيات، هناك معطى خطير ومهم جداً، ربما يكون هو عامل الحسم في أي نتائج أو تحالفات مستقبلية، وهو أن نسبة كبيرة من الناخبين الشباب، هم كبروا في واقع انقسام مرير، ولم يشاركوا في أي عملية انتخابية. ومنهم نسبة غير قليلة وصلت السن القانوني في حرب الإبادة، هذه الكتلة التي ترى بمستقبلها شيء من السراب، والغموض، كما ترى أنها أكثر الفئات المطحونة في هذا الواقع، وبكل تأكيد تحمل نتائج الحرب للقوى التي ذهبت بها لمعركة قضت على مستقبلها، وذهبت بها لواقع خيم ومخيمات نزوح، بلا خدمات، بلا تعليم، بلا مستقبل، لذلك فمشاركتها وصوتها سيكون لصالح مستقبلها. ولن تؤمن بشعارات ترقيعية، أو تضليلية، كما حدث بالسابق.

ومن العوامل الهامة الأخرى أن شعار المقاومة الذي كان يشبه العقيدة، والتجريم لكل من يقترب منها، فبعد السابع من أكتوبر لم يعد هذا المصطلح بقرة مقدسة، يجرم كل من يقترب منه. ولم يعد وضوءا أو فرضا. بل هو وسيلة فلسطينية كأي وسيلة لها أهدافها، ولها نواقضها، حتى الذين جعلوا هذا الشعار مقدساً أدركوا أنه لم يعد كما رسموا له.

إذن فخلاصة الوقائع التي يمكن الخلوص بها، حول هذا التحالف:

أولا: أنه تحالف لحظي لا يستهدف المصلحة الوطنية أو الخلاص من نتائج حرب الإبادة. بقدر ما هو تحالف يستهدف إسقاط الرئيس محمود عباس

ثانياً: أن صيغة التحالف المطروحة، صيغة غير علاجية، لا يمكن لها أن تحقق نجاح مع قوى لا تؤمن بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيدا. ولا تؤمن بعملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية.

ثالثاً: قوى متباينة أيديولوجيا، وتناقضاتها علنية وعميقة في نظرتها للواقع المدني. والحياة المدنية والمجتمعية. وكذلك التباين الشديد في رؤيتها للعديد من المسائل المتعلقة بقوانين المرأة والمجتمع، والحياة المدنية.

رابعاً: تحالف لم يأخذ بعين الإعتبار المتجهات الشعبية، ومتجهات الشباب الصاعد الذي نمى وترعرع في وسط انحطاط اتقسامي جيوسياسي. لم يأخذ بعين الإعتبار مستقبله ومتطلباته.

خامساً: تحالف أعتمد على قوى إقليمية فقدت الثقة من الغالبية الشعبية غير المؤطرة. والتي ترى بها سبباً في كارثته الوطنية والإنسانية.

سادساً: هذه الصيغة التحالفية يمكن التفكير فيها، واللجوء إليها بعد الإنتخابات ووفق النتائج. وتشكل بهدف الإجماع على برنامج إنقاذ وطني شامل وموحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى