ثنائية السلطة والمعارضة: قراءة للأزمة الفلسطينية في ظل البنية الاستعمارية

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: مروان عبد العال
يأتي هذا المقال تعقيباً على مقال المعنون: “المعارضة الفلسطينية .. من وهم البديل إلى هامش التاريخ”، للصديق العزيز يونس العموري، المنشور بتاريخ 21/05/2026. فالكاتب صاحب باع كبير بالمواظبة على مطاردة الحقيقة، مهما تعقّدت الأسئلة وتشابكت الوقائع؛ اذا لا يعتبر هذا التعقيب سجالاً شخصياً مع الكاتب، بل محاولة لإعادة النظر في الإطار السياسي الذي تُقرأ من خلاله الأزمة الفلسطينية نفسها، وخصوصاً ذلك الخلط المستمر بين مفاهيم السلطة والمعارضة داخل واقع ما زال محكوماً ببنية استعمارية تنفي أصل السيادة الفلسطينية.
ومن منطلق ان الحقيقة ليست مجردة بل هي دائماً ملموسة، فأن الأزمة الفلسطينية الراهنة اكثر من أزمة “سلطة ومعارضة” كما يُقدَّم في الخطاب السياسي التقليدي، بل أزمة في طريقة فهم الواقع نفسه. فالإصرار على قراءة المشهد الفلسطيني عبر ثنائيات مستعارة من أنظمة سياسية مستقرة، يحجب الحقيقة الأساسية: لا يوجد نظام سياسي سيادي، ولا دولة مكتملة، بل بنية استعمارية ما زالت تتحكم في الأرض والحركة والموارد، وتُعيد تشكيل المجال الفلسطيني وفق منطقها الخاص.
منذ وعود اتفاقيات أوسلو وما أعقبها من تطبيقات سياسية وأمنية، لم يُنتج المسار التفاوضي دولة فلسطينية، بل إدارة محدودة الصلاحيات تعمل تحت سقف الاحتلال. ومع الوقت، تقلصت هذه الإدارة تدريجياً وتحولت إلى كيان وظيفي أكثر من كونها سلطة سيادية، فيما جرى تفكيك الفضاء الفلسطيني إلى مستويات إدارية وأمنية وجغرافية منفصلة. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن “معارضة” بالمعنى الكلاسيكي امتداداً لوهم الدولة، لا توصيفاً لواقع قائم.
إن اختزال المشهد في ثنائية “سلطة ومعارضة” ليس مجرد خطأ تحليلي، بل إعادة إنتاج غير واعية لمنطق أوسلو نفسه، الذي تعامل مع الفلسطينيين كإدارة ذاتية داخل منظومة سيطرة استعمارية، لا كحركة تحرر وطني تخوض صراعاً مفتوحاً ضد مشروع استيطاني إحلالي.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن فهم حركة المقاومة الإسلامية حماس بوصفها “سلطة فاشلة” أو “معارضة بديلة”، لأنها تتحرك داخل فضاء محاصر بالكامل، حيث تتداخل وظيفة المقاومة مع متطلبات الإدارة والبقاء اليومي تحت الحصار والحرب، في ظل اختلال هائل في ميزان القوة مع الاحتلال، كصاعق قابل للانفجار في اي لحظة، وهذا ما حصل.
وبالمثل، فإن قوى اليسار الفلسطيني، التي ذكرها المقال، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لا يمكن اختزال أزمتها في فكرة التراجع التنظيمي فقط، بل يجب فهمها ضمن سياق تاريخي أوسع: تراجع وانهيار النماذج الثورية والتحررية العربية والعالمية، وصعود النيوليبرالية المتوحشة، ثم حصر القضية الفلسطينية داخل مسار تفاوضي–أمني انتهى إلى تبعية سياسية واقتصادية وثقافة مهزومة أفرغت الفعل السياسي من أدواته، والنضال التحرري من كثير من أهدافه التاريخية.
لكن الإشكال الأعمق يكمن في المعيار نفسه. فقياس الواقع الفلسطيني بقدرة الأطراف على إنتاج “سلطة بديلة” أو “معارضة فعالة” يفترض وجود نظام سياسي طبيعي يمكن التنافس داخله، بينما الحقيقة أن الفاعل المركزي ليس الأطراف الفلسطينية، بل منظومة استعمار استيطاني تتحكم في الجغرافيا والسكان والحركة، من الضفة الغربية إلى قطاع غزة وصولاً إلى القدس .
في هذا السياق، تصبح السلطة إدارة مقيدة، والمعارضة خطاباً محدود الأدوات، والنتيجة بنية سياسية مشوهة لا يمكن فهمها بمنطق الدول الطبيعية أو الأنظمة المستقرة.
وهنا تحديداً تتكشف الثنائية الحقيقية التي تحكم المشهد: ليست “سلطة ومعارضة”، بل “استعمار ومقاومة”. وهي ثنائية لا تُقاس فيها السياسة بميزان الانتخابات أو تداول النفوذ، بل بميزان السيطرة والقدرة على الصمود والتأثير في شروط الواقع المفروض.
إن أخطر ما في الخطاب السائد اليوم أنه يحوّل نتائج البنية الاستعمارية إلى أسباب داخلية، فبدلاً من تفكيك منظومة السيطرة، رفع لواء ” التغيير والتحرير” يجري تحميل “المعارضة” مسؤولية العجز وكأنها تتحرك داخل نظام سياسي طبيعي، لا داخل واقع محكوم بالحصار والاستيطان والاقتحامات وإعادة تشكيل الوعي والجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بشكل يومي وممنهج.
إنّ الأزمة الفلسطينية ليست أزمة نخبة سياسية فاشلة فحسب، بل أزمة إطار كامل لفهم السياسة نفسها، إطار ما زال عالقاً في وهم او ذهنية او مدرسة أوسلو؛ التي تتوهم أن هناك مساراً سياسياً يمكن إصلاحه من الداخل، أو نظاماً يمكن إعادة توازنه بين سلطة ومعارضة، بينما الحقيقة أن هذا النظام لم يُبنَ كدولة، بل كآلية إدارة تحت السيطرة الاستعمارية.
والرهان الأكثر خطورة يكمن في الاعتقاد أن سياسة الإبادة والحصار والتطهير التي تُمارس بحق الشعب الفلسطيني هي مجرد سياسة مرحلية مرتبطة بحكومة إسرائيلية متطرفة، مع تجاهل جوهر وحقيقة المشروع الصهيوني بوصفه مشروعاً إحلالياً يقوم على السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في فلسطين التاريخية، وحتى تحويلها الى دولة اقليمية تتحكم بمصير شعوب المنطقة .
وعند هذه النقطة، يتغير السؤال جذرياً: لم يعد السؤال “من يحكم الفلسطينيين؟” يميناً كان أم يساراً، سلطة أم معارضة، إسلامياً أم علمانياً؛ بل كيف يمكن إعادة تعريف مفهوم السلطة ذاته داخل واقع لا تنتج فيه السيادة كحقيقة سياسية، بل كجهاز إداري مُدار تحت سقف قوة استعمارية مهيمنة. وهذا التحول لا يطال مفهوم السلطة وحده، بل ينسحب بالضرورة على مفهوم المعارضة أيضاً، لأن كليهما يفترض وجود بنية دولة لم تكتمل أصلاً، أو نظاماً سياسياً قابلاً للتداول والتوازن.
لا دفاعاً عنها، بل إنصافاً للحقيقة، فإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بوصفها قيمة “اخلاقية” كما المح المقال، خارج حسابات الاقلية والاكثرية، فالافضلية ان تكون “بوصلة” في ظل حالة التيه، وليس عيباً ان تلحظ متغيرات الواقع وتحفظ مبدئيتها ومصداقيتها السياسية قولاً وفعلاً، وحكماً “لم تستوحش طريق الحق لقلة السالكين” على حد قول الإمام علي، وطالما كررت أن الاستراتيجية والتكتيك يجب أن يقوما على “تقييم دقيق للأوضاع القائمة”، فلا تتهرب من أسئلة المراجعة والنقد الداخلي منذ توقيع اتفاق أوسلو، بل خضعت على امتداد العقود الماضية لحالة متواصلة من العصف الفكري والسياسي والتنظيمي. وقد تجلّى ذلك في مؤتمراتها وكونفرنساتها العامة، وفي مراجعات طالت تقاريرها السياسية والتنظيمية والفكرية وبرنامجها السياسي ونظامها الداخلي، إلى جانب عشرات الورش والنقاشات الداخلية التي سعت إلى إعادة تعريف دورها ووظيفتها الوطنية في ظل سباق محموم مع التحولات الفلسطينية الكبرى.
غير أن المراجعة الجذرية المطلوبة اليوم لم تعد ترفاً فكرياً أو سجالاً حزبياً داخلياً، بل ضرورة وطنية عامة ومسؤولية جماعية تتعلق بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني كله، خصوصاً بعد التحولات الجيوسياسية العميقة التي عصفت بالمنطقة منذ السابع من أكتوبر وما تلاه. وهذا تحديداً ما كان يُفترض أن يشكل جوهر النقاش داخل المؤتمر الثامن لـ حركة فتح، كأولوية تلح عليها مكانتها الوطنية والشعبية ومسؤوليتها السياسية، لا مجرد إعادة ترتيب داخلية للبنية القائمة.
ففي ظل هذا الواقع، لا تعود السياسة مجالاً لتداول السلطة أو إنتاج بدائل داخل نظام قائم، بل تتحول إلى حقل يُدار فيه الوجود الفلسطيني نفسه، حيث تُعاد صياغة شروط البقاء تحت ضغط دائم ومفتوح.
ومن هنا، يصبح الفعل النضالي الفلسطيني أوسع وأعمق من أن يُختزل في تنظيم أو خطاب أو بنية مؤسساتية؛ إنه يتخذ طابع مقاومة شاملة وممتدة بكل أشكالها وتجلياتها، تتجسد في الحاجة إلى إعادة بناء حركة وطنية فلسطينية جديدة، قادرة على الدفاع عن الحق، وعن إمكانية الصمود والبقاء والحياة ذاتها، في مواجهة منظومة استعمارية تعمل يومياً على إعادة إنتاج السيطرة والإلغاء. وعند هذه النقطة، لا يعود الصراع مجرد نزاع سياسي على السلطة، بل معركة مباشرة على شرعية الوجود نفسه.





