من “إدارة الصراع” إلى “إدارة التدويل”: اعتراف بتفوق الاستراتيجية الفلسطينية

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: امير مخول
نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي يوم 29 يونيو 2026 ورقة تقدير موقف أعدتها الباحثة دانا سبيكتور مرمينسكي، ناقشت فيها حقيقة اتساع نطاق جوانب الصراع التي باتت تُناقش وتُتخذ القرارات بشأنها في الساحة الدولية. ترى الباحثة أن تدويل قضية فلسطين بات حقيقة خارجة عن السيطرة الإسرائيلية، وأن المسار التفاوضي الثنائي لم يعد يشكل طريقاً للحل، وهو ما كانت إسرائيل تسعى إليه ضمن مفهوم “إدارة الصراع”. وتدعو الورقة إلى التخلي عن إدارة الصراع نحو “إدارة التدويل”، بما يتيح لإسرائيل ملاءمة نفسها للمتغيرات الدولية، وأخذ زمام المبادرة فيها، وتعزيز مصالحها مع الحفاظ على التنسيق مع الولايات المتحدة، وتفادي العزلة الدولية واحتمالات فرض الحل عليها. وفي المقابل، تعترف الكاتبة بتفوق الاستراتيجية الفلسطينية في التدويل، بعد أن أصبحت موقفاً دولياً راسخاً. للتنويه فإن معه\ دراسات الامن القومي هو مؤسسة غير حكومية إلا انه من أكثر المؤسسات تأثيرا على السياسات المتعلقة بالأمن القومي.
استراتيجية التدويل الفلسطينية في مواجهة إدارة الصراع الإسرائيلية:
يعزو معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تدويل الملف الفلسطيني إلى الخلاصات التي توصلت إليها القيادة الفلسطينية بعد فشل جولات المفاوضات الثنائية على مدى أكثر من عقدين، وإدراكها أن هذا المسار أصبح مسدوداً، مما جعل التدويل بديلاً استراتيجياً للمسارات الثنائية. ويقدّر المعهد أن موقف القيادة الفلسطينية متوافق مع المواقف الأوروبية والعربية والإقليمية، القائمة على أن الخلافات مع إسرائيل لا يمكن تجاوزها عبر المفاوضات المباشرة. واستندت الاستراتيجية الفلسطينية إلى افتراض أنه من خلال حشد دعم المجتمع الدولي والاعتماد على المعايير والمؤسسات الدولية، يمكن تحقيق الأهداف الوطنية المتمثلة في إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ترسخ هذا التوجه بعد السابع من أكتوبر 2023، ووجد تعبيراً عنه في مسارين جوهريين؛ الأول، دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في ملف الإبادة الجماعية، وهي خطوة منسقة فلسطينياً وعربياً؛ والثاني، الحملة الدولية لكسب الاعتراف بدولة فلسطين، التي تجسدت في المبادرة السعودية-الفرنسية لعقد مؤتمر دولي، واجتماع شرم الشيخ الذي تلاها، واعتراف دول أعضاء في مجلس الأمن بدولة فلسطين باستثناء الولايات المتحدة.
في المقابل، يرى المعهد أن خطة ترامب المبنية على النقاط العشرين لوقف الحرب على غزة تشير إلى مقاربة أمريكية تقوم أيضاً على تدويل قضية فلسطين، والاستنتاج الأمريكي بضرورة الحلول الدولية متعددة الأطراف، وهو ما تجسد أيضا في الملفين اللبناني والإيراني.
يلفت المعهد النظر إلى أن القيادة الفلسطينية عملت بمنهجية طويلة الأمد على تعزيز مكانتها في الساحة الدولية عبر خطوات مؤسسية وقانونية، شملت حصولها على صفة دولة مراقبة في الأمم المتحدة عام 2012، وهي خطوة وُسّعت بشكل ملحوظ في أيار\مايو 2024؛ وانضمامها إلى نظام روما الأساسي كدولة طرف في المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما أدى في تشرين الثاني\نوفمبر 2024 إلى إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن الأسبق يوآف غالانت. وقد برز أثر هذه الخطوات مع تصاعد الضغوط السياسية والقانونية ضد إسرائيل، وتزايد الدعم الدولي للخطوات الرامية إلى إقامة الدولة الفلسطينية.
تعتبر المؤسسة الإسرائيلية تدويل الصراع تهديداً استراتيجياً، لأنه ينقل جزءاً من سلطة صنع القرار من الهيمنة الإسرائيلية إلى جهات خارجية مرجعيتها القانون الدولي والقرارات الدولية الأممية، لا السياسات الإسرائيلية. ووفقاً للمعهد، فقد تفوقت الاستراتيجية الفلسطينية في هذا المجال، بينما سعت إسرائيل إلى الحفاظ على حل الصراع ضمن إطار ثنائي، بناءً على روايتها بأن المفاوضات المباشرة وحدها تتيح للأطراف المرونة، والتحكم في بنود الاتفاق، والالتزام بتنفيذه، والحفاظ على هامش المناورة السياسية والأمنية. كما تقوم هذه الفرضية على أن الحفاظ على الوضع الراهن، مع إدارة المخاطر الأمنية والسياسية، أفضل من اتخاذ خطوة حاسمة قد تنطوي على استحقاقات وتكاليف باهظة. غير أن المعهد يقر بأن المسار الثنائي فقد راهنيته، وأن البديل ليس مواجهة التدويل، بل اعتماد مبدأ “إدارة التدويل” والتفاعل فيه سعياً لضمان الأولويات الاستراتيجية لإسرائيل.
الموقف الأوروبي:
يُعد الموقف الأوروبي الأكثر تقبلاً لفكرة تدويل قضية فلسطين، وهو ليس بموقف جديد. ففي أول تصريح له بعد السابع من أكتوبر 2023، دعا مسؤول العلاقات الخارجية الأوروبية السابق جوسيب بوريل إلى حل دولي لقضية فلسطين يُفرض على الأطراف، إذ لا توجد إمكانية للتوصل إليه ضمن أي مسار ثنائي إسرائيلي-فلسطيني. ومضمون تصريح بوريل هو أن قضية فلسطين لم تعد تحتمل الإرجاء أو التروي، فالمسار الثنائي كان دائماً بهيمنة أحادية الجانب، فيما ساهم المسار متعدد الأطراف في تحييد ميزان القوى المطلق لصالح إسرائيل في أي مسار ثنائي. ويتضح من تتبع المواقف الأوروبية خلال العقدين الأخيرين، وحصرياً منذ 2023، مدى التحول في الاتحاد الأوروبي نحو تبني هذه المقاربة، وقد تعزز هذا التوجه بعد سقوط حكم أوربان في هنغاريا، مما جعل الموقف الأوروبي أكثر اتساقاً.
الاتجاه شرقاً:
تخشى التقديرات الإسرائيلية التحولات الإقليمية والمحاور الناشئة التي تشارك فيها السعودية ومصر وتركيا وباكستان وقطر. وقد نشرت صحيفة معاريف في 26 أيار\مايو 2026 تقريراً خاصاً عن هذه التحولات، التي تعكس تراجعاً في مكانة الولايات المتحدة في العالم، ورأت أنه رغم بقائها قوة عظمى، فإن موازين القوى العالمية تغيرت بشكل كبير، ولم تعد القوى الصاعدة كالهند والبرازيل والمملكة العربية السعودية راضية عن التحالف الحصري مع الأمريكيين، بل باتت أمامها خيارات متعددة لإقامة علاقات استراتيجية بديلة مع مراكز قوى أخرى.
تعزز هذا التوجه خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، حيث تراجعت وضعية إسرائيل أيضاً، وتمّ اعتبارها معوقاً لأي استقرار تسعى له دول المنطقة، فيما أثبتت الولايات المتحدة أنها لم تعد موثوقة في توفير الحماية لدول الخليج التي راهنت على قواعدها العسكرية.
في الخلاصة؛
يُظهر تقرير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ضمور استراتيجية “إدارة الصراع” وعدم راهنيتها حالياً وعدم ملاءمتها للمستقبل، كما يعترف المعهد بأن التحولات العربية والإقليمية والدولية عميقة ولا رجعة فيها، وأن على إسرائيل ملاءمة سياساتها لها قبل فوات الأوان وقبل أن تتحول المواقف الدولية إلى فرض حل لقضية فلسطين.
رغم الخطاب الإسرائيلي عالي النبرة القائم على التهديد والتلويح باستدامة السيطرة في غزة ولبنان وسوريا، وتعميق الاستيطان وسياسة الضم في الضفة الغربية، فإن الواقع الاستراتيجي يفيد خلاف ذلك، فالمستجد إقليمياً هو المحاور العربية والإقليمية التي تضع المنطقة في صميم النظام العالمي المتبلور على أساس تعدد الأقطاب وانحسار الهيمنة الأمريكية، والاتجاه الإقليمي شرقاً نحو دولها الكبرى، وعلى رأسها الصين والهند، وطرح مشاريع كبرى تربط آسيا وأوروبا عبر المشرق العربي. ودول الإقليم غير العربية.
تشكل تقديرات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ناقوس خطر من وجهة نظره أمام القيادة الإسرائيلية، مفاده أنها إذا لم تبادر إلى الحلول السياسية وتتخلَّ عن الترتيبات الأمنية الأحادية، فإن الحلول السياسية ستُفرض عليها دولياً. فقضية فلسطين والدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال لم تعد تتوقف على نوايا نتنياهو أو أية حكومة إسرائيلية، بل بات لزاماً الاعتراف باستحقاقات تدويل قضية فلسطين، التي أصبحت حقيقة واقعة لا يمكن تجاوزها.





