مقالات الخامسة

أزمة مرورية أم أزمة أخلاق؟

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: د ربحي دوله

تطالعنا الأخبار كل يوم بحوادث سير مؤلمة تحصد الأرواح وتخلّف وراءها عائلات مفجوعة وأحلامًا تنتهي في لحظة طيش أو استهتار. وإلى جانب هذه الحوادث، كثيرًا ما نسمع عن مشاجرات تبدأ بخلاف على أولوية المرور، ثم تتطور إلى اعتداءات جسدية، وقد تنتهي أحيانًا بجرائم قتل. وهكذا، يتحول الطريق الذي يفترض أن يكون مساحة مشتركة لقضاء مصالح الناس إلى ساحة للتوتر والصراع، في مشهد يدفعنا إلى التساؤل: هل نعاني أزمة مرورية فحسب، أم أن ما نشهده يعكس أزمة أعمق في القيم والأخلاق؟

لا يمكن فهم واقع المرور في فلسطين بمعزل عن الظروف الاستثنائية التي يعيشها شعبنا. فالاحتلال الإسرائيلي، بما يفرضه من حواجز عسكرية وإغلاقات وتضييقات على مداخل المدن والقرى، يجعل التنقل اليومي معاناة حقيقية، ويضطر آلاف المواطنين إلى الانتظار طويلًا، فيما تتعطل أعمالهم ومصالحهم، ويواجه المرضى والطلبة والموظفون ظروفًا قاسية. وتزيد هذه المعاناة بفعل القيود المفروضة على التخطيط العمراني والتوسع، إلى جانب الزيادة المستمرة في أعداد السكان والمركبات، الأمر الذي يفاقم الاختناقات المرورية ويضع البنية التحتية والجهات المسؤولة عن تنظيم الطرق أمام تحديات كبيرة.

لكن هذه الظروف، على قسوتها، لا تفسر وحدها ما يحدث على طرقاتنا، ولا تبرر كل سلوك خاطئ نراه يوميًا. فالازدحام قد يكون مفروضًا علينا، أما طريقة تعاملنا معه فتظل، في كثير من الأحيان، انعكاسًا لمدى احترامنا للقانون ولحقوق الآخرين. وهنا تتجلى المشكلة الحقيقية؛ إذ لا يكتفي بعض السائقين بمواجهة الازدحام، بل يزيدونه سوءًا حين يتجاوزون طوابير السيارات، أو يسيرون بعكس اتجاه المرور، أو يحاولون انتزاع أسبقية ليست من حقهم، وكأن احترام الدور واجب على الآخرين وحدهم.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وتتخذ هذه السلوكيات أشكالًا أخرى لا تقل خطورة، من بينها الوقوف في الأماكن الممنوعة وإغلاق مداخل المواقف ومخارج الطرق، والتوقف في منتصف الشارع لتبادل الأحاديث، والانشغال بالهاتف أثناء القيادة، فضلًا عن السرعة المفرطة والقيادة المتهورة. أما التفحيط والاستعراض بالمركبات والدراجات النارية في بعض الأعراس والمناسبات، فقد حوّلا فرحة بعض العائلات إلى مصدر خطر على المشاركين والمارة، في ممارسات لا يمكن وصفها بالشجاعة أو المهارة، بل هي استهتار بأرواح الناس قد تكون عواقبه مأساوية.

وتزداد خطورة الأمر مع انتشار المركبات غير القانونية وقيادة بعض الأشخاص دون رخص، إلى جانب استخدام الدراجات النارية دون مراعاة قواعد السلامة. فهذه ليست مجرد مخالفات عابرة، بل تصرفات قد تعرّض مرتكبيها والآخرين لإصابات خطيرة أو للموت. والمؤلم أن بعض هذه الممارسات لم تعد تُقابل دائمًا بالرفض المجتمعي الذي تستحقه، بل قد ينظر إليها البعض باعتبارها شطارة أو جرأة أو استعراضًا للرجولة، وكأن تجاوز القانون دليل على القوة، واحترامه علامة على الضعف.

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة. فحين يتعمد سائق تجاوز طابور طويل لأنه يرى نفسه أحق من غيره، أو يعرّض حياة المارة للخطر ليستعرض قدراته، أو يدخل في مشاجرة بسبب أسبقية المرور، فإن المسألة تتجاوز ضعف الوعي المروري إلى خلل في منظومة القيم التي تحكم سلوكه. فالطريق يكشف جانبًا من أخلاق الإنسان؛ إذ تظهر حقيقة احترامه للآخرين عندما يضطر إلى الانتظار، أو يتنازل عن أسبقية، أو يلتزم بالنظام رغم قدرته على مخالفته دون أن يراه أحد.

إن احترام قواعد المرور ليس مجرد خوف من مخالفة مالية، بل هو تعبير عن الشعور بالمسؤولية والإيمان بأن حياة الإنسان وحقوقه ليست أقل قيمة من مصالحنا الشخصية. فكل سائق يتعامل مع الطريق باعتباره ملكًا له وحده ينسى أن خلف كل مقود إنسانًا له ظروفه وأسرته والتزاماته، وأن دقيقة يوفرها بتجاوز الآخرين قد تتسبب في تعطيل عشرات الأشخاص، وأن لحظة تهور قد تحرم أسرة من أحد أفرادها إلى الأبد. وليس من المقبول أن نطالب بحقوقنا بينما نهدر حقوق غيرنا، أو نشتكي من الفوضى ثم نكون جزءًا منها.

ومع ذلك، فإن تحميل الأفراد مسؤولية سلوكهم لا يعفي الحكومة والبلديات والجهات المختصة من واجباتها. فمعالجة الأزمة تحتاج إلى تخطيط مروري يواكب الزيادة في أعداد المركبات والسكان، وتحسين الطرق وتنظيم المواقف ومعالجة المواقع التي تتكرر فيها الحوادث، إلى جانب تكثيف الرقابة على المخالفات الخطرة. كما أن تطبيق القانون بحزم وعدالة، دون محاباة أو استثناءات، ضرورة لردع المستهترين، ولا سيما من يقودون مركبات غير قانونية أو دون رخص، أو يمارسون التفحيط والقيادة المتهورة.

ولا تقل التوعية أهمية عن الرقابة والعقوبات؛ إذ ينبغي أن تبدأ من الأسرة والمدرسة، وأن تستمر عبر الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات المجتمعية. فالطفل الذي يرى والده يحترم القانون ويتعامل بأدب مع السائقين الآخرين يتعلم أن الالتزام سلوك يومي، بينما يسهم تبرير المخالفات والتفاخر بالسرعة وتجاوز الآخرين في ترسيخ ثقافة الاستهتار. ومن الضروري أيضًا أن تتوقف بعض الأعراف الاجتماعية عن التسامح مع الاستعراضات الخطرة في الأعراس، وأن يصبح رفضها موقفًا مجتمعيًا واضحًا، لا مجرد نصيحة عابرة.

إننا بحاجة إلى معالجة متكاملة تجمع بين تطوير البنية التحتية، وتحسين إدارة المرور، وتطبيق القانون، وبناء الوعي الأخلاقي. فلا يكفي أن نوسّع الشوارع إذا ظل بعض مستخدميها يتعاملون معها بلا مسؤولية، كما لا يمكن أن نطالب الناس بالانضباط فيما تظل الطرق تعاني من قصور التخطيط وضعف التنظيم. فلكل جهة دورها، ولا يتحقق التغيير الحقيقي إلا عندما تقوم المؤسسات بواجباتها، ويؤدي المواطنون مسؤولياتهم، ويشعر الجميع بأن سلامة الطريق مصلحة مشتركة لا شأنًا فرديًا.

في المحصلة، لدينا أزمة مرورية حقيقية تفرضها ظروف الاحتلال وضيق الطرق والزيادة في أعداد المركبات، لكننا نعاني أيضًا أزمة في السلوك والقيم حين يصبح الاستهتار أمرًا مألوفًا، ويتحول الخلاف البسيط إلى مشاجرة، وتُقدَّم المصلحة الشخصية على سلامة الآخرين. والاعتراف بالجانبين هو الخطوة الأولى نحو الحل؛ فلا يجوز أن نختزل المشكلة في أخلاق السائقين ونتجاهل مسؤولية المؤسسات، ولا أن نعلّق كل أخطائنا على الاحتلال والازدحام ونتهرب من مسؤوليتنا الفردية.

فالطرق لا تحتاج إلى الإسفلت والإشارات والقوانين وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى ضمير يحترم حياة الإنسان، وعقل يقدّر عواقب التصرفات، ومجتمع يرفض الاستهتار بدلًا من تبريره. وربما لا نستطيع إزالة الحواجز التي تعترض طريقنا بإرادتنا، ولا توسيع الشوارع في كل مكان، لكننا نستطيع أن نغيّر طريقة تعاملنا مع بعضنا بعضًا، وأن نلتزم بالنظام حتى في غياب الرقيب.

فهل أزمتنا أزمة مرور أم أزمة أخلاق؟ لعلها الاثنتان معًا، لكن الفارق كبير بين ازدحام تفرضه الظروف وفوضى يصنعها الإنسان بسلوكه. وسيظل إصلاح الطرق ضرورة، لكن إصلاح السلوك هو ما يمنح هذا الإصلاح معناه الحقيقي؛ لأن النجاح ليس أن نصل إلى وجهتنا قبل الآخرين، بل أن نصل جميعًا سالمين، وقد احترم كل منا حق غيره في الطريق وفي الحياة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى