مقالات الخامسة

المؤسسات ليست ورثة.. كفى ترقيعاً ومسكنات؟!

كتب: د. سلامه محمود ابو زعيتر

الخامسة للأنباء - غزة

كفى ترقيعاً بالمسكنات، وكفى عبثاً بمصائر العباد! إن الترهل والتعفن الإداري الذي ينخر جسد معظم مؤسساتنا العامة والخاصة، الرسمية وغير الرسمية، لم يعد مجرد خلل عابر يمكن غسله ببيانات الشجب، أو تجميله بـمكياج اللجان الهشة التبريرية التي تُكيّف الواقع على مقاسات المتنفذين، نحن أمام مأزق هيكلي مرعب، وإرث ثقيل أنتجته الحروب، والنزاعات السياسية، وسياسات أمر الواقع، والانقلابات والمؤامرات التي دُبّرت بليل بعيداً عن أي تشريع أو قانون أو لوائح. لقد تحولت المؤسسات الوطنية والعامة والخاصة، بفعل فاعل، من رافعات للوطن والمواطن إلى مملكات خاصة وإقطاعيات وظيفية ممسوخة، تُدار بالمزاجية، والولاء الأعمى، والمصالح الضيقة، والمقزز في الأمر، أن هؤلاء المتنفذين يجدون دائماً في جعبتهم شماعة جاهزة لتبرير فسادهم وفشلهم؛ فتارة يتذرعون بالظروف الأمنية، وتارة بالحزبية، وأخرى بالخصوصية السياسية، لتسويق شخصنتهم وعجزهم، مستعينين بمرتزقة من “السحيجة والطبالين والأفاقين الذين يدافعون عما هو قائم ويحاربون التغيير. في هذا الواقع المتكلس، يسقط قناع العطّار الذي يُرتجى صلاحه، فالمثل العربي القديم يلطم وجوهنا بمرارة ليس من المتوقع أن يُصلح العطّار ما أفسده الدهر والأيام، وإذا كان هذا العطار عاجزاً، فإن قطاع غزة المكلوم، الجريح، الباحث عن التعافي والإعمار بعد كل هذا الدمار، لا يملك ترف الوقت لينتظر معجزة من أيدٍ مرتجفة أو لصوصية. بين معضلة “الترقيع وفلسفة الإنشاء الجديد، ولِمَ تفشل كل محاولات الترقيع وخاصة في واقعنا الفلسطيني؟ حين تُصاب المؤسسات بمرض القصور الذاتي، يتحول الفساد والعقم الإداري إلى عقيدة بيئية، وآلية بقاء للمستفيدين، وإن محاولة إصلاح هذه الكيانات من داخلها بأدواتها القديمة هي ضرب من الوهم؛ لأنها تصطدم بـكانتونات وشبكات مصالح متكلسة ترى في أي بادرة تطوير أو رقابة تهديداً وجودياً لامتيازاتها وسياراتها ومناصبها. على النقيض تماماً، تظهر المؤسسات الوليدة والناشئة كبديل ناصع؛ فهي تبدأ بصفحة بيضاء بلا تحالفات مشبوهة، تمتلك مرونة اللوائح القائمة على الأتمتة المعاصرة، ويحركها عقد نفسي واجتماعي تشاركي بين مؤمنين بالفكرة والهدف، يسود بينهم روح الفريق والتضحية، وهذا على عكس الحيتان العميقة التي يغلب عليهم فكر الموظف الأجير الحامي لمكتسباته الشخصية، والذي لا يهمه إن احترقت المؤسسة ما دام راتبه وامتيازه مؤمَّناً. لذا، فإن التأسيس على أرض صلبة أيسر بآلاف المرات من محاولة “استعدال” جدار مائل آيل للسقوط، تتسرب من تحته مياه المصالح القذرة. مسارات التغيير وكيف نربط بين إصلاح القائم وإنشاء الجديد؟ لإحداث تغيير إيجابي وفعلٍ قادرٍ على إعادة تأهيل وإصلاح المؤسسات، وإنقاذ العمل المؤسساتي وتعزيز حضوره، لا بد من الموازنة الذكية بين إصلاح ما هو قائم لحماية الكيانات السيادية للدولة، وبين الإنشاء الجديد كرافعة للتحديث وضغط جراحي للتطهير، وإذا كان الهدم الكامل للكيانات السيادية متعذراً أو غير ممكن، فإن انتزاع هذه المملكات وتحويلها إلى منظومات جماعية يتطلب أربعة مسارات جراحية لا ترحم: 1. التفكيك الهيكلي يجب سحق مركزية القرار المطلقة، وإلغاء سلطة المسؤول “المُشخْصَن” الذي يتصرف كإمبراطور في مكتبه، والبديل هو هياكل مرنة تُدار بمجالس ولجان متخصصة، مع فصل الملكية والسطوة التوجيهية عن الإدارة التنفيذية، وأتمتة الإجراءات بالكامل لإلغاء “المزاجية والمحسوبية” بضغطة زر. 2. الشفافية القسرية لا مكان للارتجال بعد اليوم، فيجب فرض مواثيق حوكمة صارمة وملزمة قانونياً، تترافق مع تفعيل رقابة مستقلة وعنيفة، والحل هنا هو الصدمة الرقمية؛ نقل كافة المعاملات والموازنات والتقارير المالية والإدارية إلى الفضاء الإلكتروني المفتوح المتاح للمساءلة، دعوا أشعة الشمس تدخل الغرف المظلمة لتبخر العفن وتكشف مساحات الظل التي تنمو فيها طفيليات المصالح. 3. تكنوقراطية القيادة ويجب كنس وبتر منظومة الولاءات الضيقة، من قرابة، ومحسوبية، وشللية، وإحلال معيار “الجدارة والكفاءة” رغماً عن أنوف المستفيدين. القرارات الاستراتيجية يجب أن تصبح جماعية تصدر عن مجالس خبراء ومختصين، مع وضع خطط تعاقب وظيفي صارمة ليفهم كل مسؤول أن الكرسي ليس ورثة شرعية لوالديه، وأن المؤسسة عابرة للأشخاص. 4. صدمة القيادة الخارجية والمؤسسات الموازية وجسر الإصلاح بالإنشاء بما أن البيئات المتكلسة عاجزة غريزياً عن إصلاح نفسها، فإن العلاج يتطلب استقطاب قيادات وخبرات راديكالية من خارج المنظومة، تُمنح صلاحيات واسعة للتغيير وضرب مراكز القوى القديم وفي الحالات الأشد استعصاءً، يتم تفعيل استراتيجية المؤسسة الموازية ؛ وهي وحدات رشاقة، حديثة، ونظيفة تُنشأ بـفكر إنشائي جديد لتتولى الملفات الحيوية (كالإعمار والتعافي)، وتستقطب الأكفاء تدريجياً، حتى تبتلع الكيان القديم المتهالك بالكامل وتذيبه في بطن المنظومة الجديدة المطورة، وبذلك يكون الإنشاء الجديد هو الأداة الجراحية لإصلاح وإعادة صياغة ما هو قائم؛ لكن.. حذارِ ثم حذار! إن هذا الطرح الجراحي هو أمانة وطنية، ونحن ندرك تماماً أن هناك من يحاول استخدام هذه الرؤية كـكلمة حق يُراد بها باطل، لذا نتوجه بالتحذير إلى أولئك الانتهازيين الذين ينتظرون انقشاع الغبار ليمارسوا التغيير بهدف استبدال فاسدٍ بفاسد، وإزاحة جماعة ليحلوا مكانها لحساب مصالحهم وفئويتهم الضيقة، فنقول لهم كأنك يا أبا زيد ما غزيت!. إن كانت البدائل المطروحة هي مجرد تبديل للوجوه والمحاصصة مع الحفاظ على نفس العقلية الإقطاعية، فبئس البديل، وبلاش منها هذه الحلول من الأساس! الخلاصة: إن تحويل المملكات الخاصة إلى مؤسسات دولة حقيقية ومستدامة ليس نزهة إدارية في حديقة، بل هي معركة وعي وتشريع حامية الوطيس، تتطلب إرادة سياسية عليا، وقبضة حديدية لإنفاذ القانون، وقبولاً بالتضحيات في المراحل الانتقالية. لقد شبعنا خطابات، وشبع المواطن سحقاً بسبب جهلكم وجشعكم، إن العطار لن يصلح هذا الإرث الثقيل بأدواته البالية، والحل الوحيد والأخير هو امتلاك الشجاعة لإحداث الهدم البنّاء، وإرساء القواعد التي تجعل من المؤسسة كياناً خالداً عابراً للأفراد والمزاجيات، يحمي مصالح هذا الشعب الصابر، ويسير به بكرامة نحو المستقبل، وخلال هذه المعركة، من يعترض من أمراء الإقطاعيات الحالية… فليشرب من بحر غزة! حفظ الله شعبنا العظيم من كل المؤامرات، وحماه من الأمراض الإدارية والسياسية التي تحاول القضاء على ما تبقى لديه من إرادة، ومستقبل، وأمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى