سقوط “الرواية”: اعتراف نتنياهو بانهيار صورة الاحتلال لدى الشباب الأمريكي

الخامسة للأنباء - غزة
د. جهاد ملكة
لم يكن اعتراف رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، في مقابلته الأخيرة مع شبكة “سي بي إس” (CBS) بوجود أزمة حقيقية في صورة إسرائيل لدى الشباب الأمريكي، مجرد تصريح عابر، بل هو إقرار رسمي بهزيمة “البروباغندا” الصهيونية أمام عدالة القضية الفلسطينية. فبينما يقر نتنياهو بأن الغالبية من جيل الشباب في أمريكا باتت تتعاطف مع الفلسطينيين، فإنه يدق ناقوس الخطر داخل كيانه، داعياً إلى استنفار الموارد لتغيير هذه الحقيقة الصادمة.
يأتي هذا التحول التاريخي كنتاج طبيعي لثورة الوعي وكسر الحصار الإعلامي، وللدور الريادي الذي لعبته الجاليات العربية، والفلسطينية خاصة، والتي تمكنت بمحدودية إمكانياتها من هزيمة آلة الإعلام الضخمة لأنصار الاحتلال. لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة كشفت بالصور والأفلام والوثائق حقيقة جرائم الحرب وحرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها جيش الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية، والتي خلفت أكثر من ربع مليون شهيد وجريح.
هذه المشاهد الحية هزت الضمير العالمي، وتحدت الهيمنة التقليدية لمنظمة “الإيباك” واللوبيات الصهيونية التي طالما اعتبرت “دولة داخل الدولة” في الولايات المتحدة.
لقد تجاوز الغضب الشعبي حدود التظاهر ليصل إلى أعرق الجامعات الأمريكية، حيث تحولت الحرم الجامعية إلى مراكز احتجاجية صلبة لم ترهبها إجراءات الفصل أو التهديد أو سلاح الترهيب الأكاديمي. ورغم الانحياز التام للإدارة الأمريكية (الجمهورية) ودعمها المطلق للاحتلال مقابل تهميش الرسمية الفلسطينية، إلا أن استطلاعات الرأي تؤكد بوضوح أن الرواية الإسرائيلية لم تعد تجد مشترياً لدى الجيل الجديد.
أدركت حكومة نتنياهو حجم الانهيار، فرفعت ميزانية العلاقات العامة (Hasbara) خمسة أضعاف لتصل إلى نحو ثلثي مليار دولار، وهو ما يعادل عشرين ضعف الميزانية التي كانت مخصصة قبل أكتوبر 2023. هذا الإنفاق المسعور هو اعتراف صريح بأن الرواية الخادعة التي سيطرت لعقود قد تحطمت أمام “الصورة المعاصرة” التي تهزم كل حصار مفروض، وتكشف زيف الإعلام التقليدي المملوك في معظمه لجهات منحازة.
إن اعتراف نتنياهو الضمني بانتصار الوعي الشبابي الأمريكي للحق الفلسطيني لا يجوز أن يمر كخبرٍ عابر، بل يجب أن يتحول إلى وقودٍ استراتيجي للمؤسسات والهيئات الداعمة للقضية. إننا اليوم أمام فرصة تاريخية لتعزيز العمل الفلسطيني والعربي المشترك بهدف محاصرة رواية الكيان وتفكيك مرتكزاتها، وصولاً إلى تكريسها كـ”رواية منبوذة” تمثل “دولة منبوذة”. إن معركة الوعي التي يقودها الأحرار اليوم هي الكفيلة بتقويض رواية الاحتلال وإسقاط أقنعتها أمام الشعوب، مستندين في ذلك إلى قوة الحق وسطوة الصورة التي لا تكذب.
إن استكمال هذا الانتصار الرقمي والشبابي يستوجب تبني خارطة طريق عملية؛ تبدأ بالاستثمار المكثف في المحتوى البصري واللغات الحية لمخاطبة جيل “التيك توك” والمنصات المعاصرة بلغتهم وأدواتهم، مروراً بمد جسور التواصل الدائم مع الحركات الطلابية في الجامعات الغربية وتزويدهم بالحقائق القانونية والتاريخية التي تدعم مرافعاتهم. كما يجب علينا تفعيل “الدبلوماسية الشعبية” عبر الفن والمسرح والثقافة، وتفنيد المبررات الأسطورية “الفاشية” التي يسوقها اليمين المتطرف للاحتلال، مع توفير كل سبل الدعم التقني والإعلامي للنشطاء الذين يواجهون خوارزميات الحجب. إن هدفنا اليوم هو تحويل هذه الهبة الأخلاقية العالمية إلى فعل مستدام يعيد تنظيم علاقة العالم بالقضية الفلسطينية، من المشاركة الوجدانية إلى الانتصار السياسي والحقوقي الكامل، مستندين في ذلك إلى إرادة الشعوب التي أثبتت أنها أقوى من مليارات “الهسبراه” وأعتى من آلات التضليل.





