مقالات الخامسة

النظام السياسي الفلسطيني: من شرعية الفصائل إلى شرعية الوطن- فلسطين أمام اختبار جديد

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: أنس بواطنة

تختلف الأنظمة السياسية في تحديد نظام حكمها وهندسته، فمنها الرئاسي والبرلماني والملكي، ومنها ما يأخذ بالنظام المختلط، وتسعى الدول إلى تنظيم إدارة الحكم من خلال الدستور الذي يحدد طبيعة النظام السياسي، وينظم العلاقة بين السلطات، كما يحدد شكل الدولة وهويتها والحقوق والحريات التي يتمتع بها المواطنون، بما يشكل في جوهره مفهوم العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الدولة والمواطن.

وتعتمد الأنظمة السياسية، وخاصة العربية منها، على مصادر مختلفة للشرعية باعتبارها أساساً لإستمرار النظام السياسي وبقائه، فالأنظمة الملكية ارتبطت في كثير من الحالات بالشرعية الدينية والتاريخية، بينما اعتمدت بعض الأنظمة الجمهورية على الشرعية الثورية باعتبارها امتداداً لحركات التحرر الوطني والخلاص من الاستعمار.

وتبدو الحالة الفلسطينية مختلفة عن معظم هذه النماذج، فقد نشأت السلطة الوطنية الفلسطينية في إطار اتفاق أوسلو عام 1993، كسلطة حكم ذاتي يفترض أن تقود في مرحلة لاحقة إلى قيام الدولة الفلسطينية، إلا أن تعثر عملية التسوية والتنصل الإسرائيلي المستمر من الالتزامات حال دون الوصول إلى الدولة، لتدخل القضية الفلسطينية والنظام السياسي منذ ذلك الوقت في مراحل متلاحقة من التحول والأزمات.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

أولاً: مرحلة التأسيس – الشرعية الثورية والتاريخية لياسر عرفات من “الثورة إلى السلطة”.

في مرحلة الرئيس ياسر عرفات، استند النظام السياسي الفلسطيني إلى شرعية تاريخية وثورية ارتبطت بمنظمة التحرير الفلسطينية ودورها في الحفاظ على الهوية الوطنية وتمثيل الشعب الفلسطيني في الشتات والداخل، إضافة إلى مكانة حركة فتح التي قادت الثورة الفلسطينية المعاصرة، وقد ساعدت هذه الشرعية في الانتقال من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة بناء السلطة ومؤسساتها، إلا أن هذه المرحلة سرعان ما تعثرت بفعل تنصل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من التزاماتها تجاه حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة التي كان من المفترض أن ترى النور في أيار 1999

وأجريت أول انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة عام 1996، وشهدت معارضة ومقاطعة من بعض الفصائل اليسارية والإسلامية، وأبرزها حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب فصائل أخرى، إلا أن تلك المقاطعة لم تمنع الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة قادها الرئيس ياسر عرفات بعد فوزه في الانتخابات .

وانتهت هذه المرحلة باقتحام أرييل شارون المسجد الأقصى، لتندلع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ويحاصر الرئيس عرفات، ثم يعلن عن رحيله في فرنسا عام 2004 بالسم. وتشير أغلب التقديرات والتحقيقات إلى مسؤولية إسرائيل عن مقتله. وبرحيل زعيم الثورة الفلسطينية المعاصرة، أغلق فصل مهم من تاريخ القضية الفلسطينية، لتبدأ مرحلة جديدة من البحث عن شرعية مختلفة ومصادر جديدة لها.

ثانيًا: تعدد الشرعيات من التصادم إلى الانقسام

شكل رحيل عرفات نهاية مرحلة مهمة وفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة، كان من أبرز عناوينها إعادة ترتيب النظام السياسي والبحث عن مصادر جديدة للشرعية، فجاءت الانتخابات الرئاسية عام 2005 والانتخابات التشريعية عام 2006 لتكشف بوضوح عن تعدد مصادر الشرعية داخل النظام السياسي الفلسطيني، بين اللاعبين الأساسيين: حركتي فتح وحماس.

فقد اعتمد الرئيس محمود عباس وحركة فتح على شرعية تقوم على العمل السياسي والدبلوماسي، والسعي نحو الاعتراف الدولي، وبناء المؤسسات وسيادة القانون، وفي أعقاب فوز حركة حماس بأغلب مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، تركزت شرعيتها على التمسك بالشرعية الديمقراطية التي أفرزتها الانتخابات، إلى جانب شرعية المقاومة، إضافة إلى حضور الخطاب الديني في خطابها السياسي والجماهيري.

وهنا بدأت أزمة النظام السياسي الفلسطيني تتحول إلى صراع بين مصادر مختلفة للشرعية، فحركة فتح تمسكت بالشرعية التاريخية والوطنية لمنظمة التحرير، بينما رأت حركة حماس أنها تمتلك الشرعية الديمقراطية وشرعية المقاومة، ولم يتمكن النظام السياسي الفلسطيني من إيجاد صيغة موحدة تستوعب هذه الشرعيات داخل إطار وطني واحد، فتحول الخلاف السياسي إلى اقتتال داخلي عام 2007، وانتهى بانقسام سياسي وجغرافي ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم، وأصبح الانقسام أحد أبرز مظاهر النظام السياسي الفلسطيني.

ثالثًا: نحو شرعية وطنية تتجاوز الحزبية والفئوية

واليوم، وبعد ما شهدته غزة من حرب إبادة جماعية رافقها الدمار والنزوح والفقدان، وما تواجهه الضفة الغربية من توسع للاستيطان وتراجع في قدرة السلطة وسيادة القانون، إلى جانب الخطابات الإسرائيلية الجازمة برفض قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية أو قطاع غزة، تقف القضية الفلسطينية، بشعبها وما تبقى من أراضيها، أمام مرحلة مختلفة، فلم تعد القضية أمام منعطف سياسي جديد فحسب، وإنما أمام معركة وجود أو فناء.

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن أيًا من مصادر الشرعية الفئوية أو الحزبية، على أهميتها، لم تتمكن وحدها من إنتاج نظام سياسي قادر على توحيد الشعب الفلسطيني ومواجهة التحديات التي تهدد وجوده. المشكلة لم تكن في هذه المصادر بحد ذاتها، وإنما في كونها استخدمت كشرعيات متنافسة ومنفصلة عن بعضها، الأمر الذي جعلها مصدراً للانقسام بدلاً من أن تكون مكوناً من مكونات الشرعية الوطنية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى البحث عن مفهوم الشرعية التي نريدها؛ شرعية وطنية جامعة تتجاوز المصالح الحزبية والفئوية، شرعية تتعدى الماضي والانقسام، ولا تقوم فقط على التاريخ أو نتائج الانتخابات أو البرنامج السياسي. إنها شرعية البقاء، شرعية تستمد قوتها من تعزيز صمود المواطن الفلسطيني، وتحمل قضايا الناس وحياتهم اليومية على ما تبقى من أرضهم وزيتونهم ومواشيهم، وتعيد الاعتبار للوطن باعتباره أصل الحكاية، شرعية يكون فيها الوطن أكبر من الحزب.

*باحث في مجال حقوق الإنسان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى