
الخامسة للأنباء - غزة
لم تنتهِ معاناة آلاف الفلسطينيين عند لحظة استشهاد أبنائهم، إذ لا تزال عائلات تنتظر منذ سنوات طويلة معرفة مصير جثامين أقاربها. فيما تحتجز إسرائيل مئات الجثامين في مواقع مختلفة، بينها ما يعرف بـ”مقابر الأرقام” وثلاجات الموتى.
وفي أحدث تطور لهذا الملف، كشفت معطيات فلسطينية، استناداً إلى ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية. عن احتجاز إسرائيل نحو 1700 جثمان فلسطيني، غالبيتها مرتبطة بالحرب على قطاع غزة، في وقت تمكنت المؤسسات الفلسطينية من توثيق هوية 799 شهيداً من بين المحتجزين.
وتأتي هذه الأرقام بالتزامن مع إحياء الفلسطينيين في 27 أغسطس/آب من كل عام اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين. وهي مناسبة أقرها مجلس الوزراء الفلسطيني عام 2008 لإبقاء قضية الجثامين المحتجزة حاضرة والمطالبة باستعادتها ودفنها بكرامة.
799 جثماناً معلومة الهوية
بحسب الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى. فإن العدد الموثق من الجثامين التي تعرف المؤسسات الفلسطينية هويات أصحابها يبلغ 799 شهيداً.
وتضم القائمة:
256 شهيداً محتجزين في “مقابر الأرقام”.
99 شهيداً من الأسرى.
81 طفلاً تقل أعمارهم عن 18 عاماً.
10 شهيدات.
وكان آخر من أضيف إلى القائمة، وفق المعطيات المنشورة،الشهيد فتحي خازم من جنين. الذي استشهد داخل منزله واحتُجز جثمانه، والشهداء قيس بيطاوي، وأحمد يعقوب كروزو، وباسل تركمان الذي اغتالهم الاحتلال أمس الجمعة في جنين ثم احتجز جثامينهم.
لكن الرقم لا يمثل بالضرورة العدد النهائي، خصوصاً في قطاع غزة. حيث لا تزال هناك أعداد كبيرة من المفقودين، كما أن الوصول إلى أماكن وجود الجثامين والتعرف إلى أصحابها ما زال بالغ الصعوبة.
أين توجد هذه الجثامين؟
لا توجد جميع الجثامين المحتجزة في مكان واحد.
فجزء منها دفن في مواقع عسكرية تعرف باسم “مقابر الأرقام”. وهي مقابر لا تحمل شواهدها أسماء الشهداء، بل أرقاماً تستخدم بدلاً من الهوية.
وتشير مصادر فلسطينية إلى وجود عدة مقابر من هذا النوع في مناطق عسكرية مغلقة داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتعود سياسة “مقابر الأرقام” إلى عقود، إذ بدأت إسرائيل باستخدامها لدفن جثامين فلسطينيين وعرب منذ ما بعد عام 1967. مع إبقاء معلومات مواقع المقابر وهويات المدفونين فيها محدودة أو غير متاحة لعائلاتهم.
أما الجزء الآخر من الجثامين فيُحتجز في ثلاجات ومرافق للطب الشرعي. ومن بينها معهد الطب الشرعي المعروف باسم “أبو كبير” في منطقة تل أبيب، بحسب مصادر فلسطينية وتقارير تناولت هذا الملف على مدار سنوات.
وتكشف تقارير سابقة أيضاً عن استخدام الجيش الإسرائيلي منشآت تبريد لحفظ جثامين فلسطينيين خلال الحرب على غزة. بينما جرى تصنيف بعض الجثامين بالأرقام بدلاً من الأسماء.
غزة وسّعت ملف الجثامين المحتجزة
أخذت القضية بعداً غير مسبوق منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما احتجزت القوات الإسرائيلية جثامين فلسطينيين من مواقع مختلفة داخل القطاع. إضافة إلى انتشال جثامين من مقابر ومناطق محيطة بمرافق صحية.
وبحسب الحملة الوطنية لاسترداد الجثامين، أعادت إسرائيل إلى قطاع غزة حتى 4 فبراير/شباط 2026 جثامين 930 فلسطينياً. إلى جانب 66 صندوقاً تحتوي على رفات بشرية.
وقالت الحملة إن من بين الجثامين التي أُعيدت رفاتاً جرى انتشالها من مقابر في قطاع غزة ومن محيط مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة.
لكن عملية التعرف إلى الجثامين المعادة واجهت تحديات كبيرة. بينها نقص المعدات والإمكانات اللازمة لفحوص الحمض النووي، الأمر الذي دفع الطواقم الفلسطينية في بعض الحالات إلى الاعتماد على وسائل تقليدية ومعلومات تقدمها عائلات المفقودين.
وفي المقابل، تشير تقديرات واردة عن وزارة الصحة في غزة إلى وجود نحو 7400 جثمان لا تزال تحت أنقاض القطاع. ما يعني أن ملف المفقودين والجثامين لا يزال مفتوحاً على أعداد أكبر بكثير من تلك التي تم توثيقها حتى الآن.
لماذا تحتجز إسرائيل الجثامين؟
تقول المؤسسات الفلسطينية إن احتجاز الجثامين تحول إلى سياسة تستخدمها إسرائيل كوسيلة للضغط والعقاب والمساومة. وليس مجرد إجراء مرتبط بضرورات أمنية أو جنائية.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن إسرائيل استخدمت الجثامين في بعض الحالات كورقة تفاوض ضمن صفقات تبادل. كما أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر عام 2017 سياسة تسمح بإبقاء بعض الجثامين لاستخدامها في مفاوضات مستقبلية.
وفي عام 2019، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً سمح للسلطات العسكرية باحتجاز جثامين فلسطينيين استناداً إلى أنظمة الطوارئ. بما في ذلك إمكانية استخدامها في مفاوضات تتعلق بإسرائيليين أو جثامينهم.
لكن هذا التبرير الإسرائيلي واجه انتقادات حقوقية واسعة.
فقد سبق للجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن أعربت عن قلقها من سياسة احتجاز جثامين فلسطينيين واستخدامها كورقة ضغط. ودعت إسرائيل إلى مراجعة تشريعاتها وإعادة الجثامين إلى عائلاتهم.
ماذا يقول القانون الدولي؟
لا يتعامل القانون الدولي الإنساني مع جثامين القتلى باعتبارها مجرد “بقايا بشرية”. بل يفرض قواعد لحماية كرامة الموتى والتعامل معهم.
وتنص قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي على ضرورة اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة للبحث عن القتلى وجمع جثامينهم وإجلائها دون تمييز. إلى جانب تسجيل المعلومات المتوفرة عنهم بما يسمح بالتعرف إلى هوياتهم لاحقاً.
كما تنص القاعدة 114 من القانون الدولي الإنساني العرفي على أن أطراف النزاع يجب أن تسعى إلى تسهيل إعادة رفات المتوفين إلى ذويهم بناءً على طلب الطرف الذي ينتمون إليه أو أقربائهم.
وتشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أن أطراف النزاعات مطالبة باتخاذ إجراءات لتحديد مصير المفقودين وإبلاغ عائلاتهم، فضلاً عن التعامل مع الجثامين بطريقة تحفظ كرامة الموتى وتسهّل إعادة رفاتهم إلى أسرهم.
وماذا عن انتزاع الأعضاء؟
تظهر في هذا الملف أيضاً اتهامات قديمة تتعلق بانتزاع أعضاء أو أنسجة من بعض الجثامين داخل معهد أبو كبير.
إذ إن انتهاكات الجثامين واستخراج الأعضاء تعود إلى تقارير وشهادات وتحقيقات مختلفة، وبعضها يتعلق بفترات سابقة.
وقد وثقت مصادر إسرائيلية وأجنبية في الماضي وجود حالات لأخذ أنسجة وأعضاء من جثامين في معهد أبو كبير دون موافقة العائلات، بينما تبقى مسألة ربط ذلك بجميع الجثامين الفلسطينية المحتجزة اليوم بحاجة إلى أدلة وتحقيق مستقل لكل حالة.
ولهذا فإن فتح تحقيق مستقل وشفاف في ظروف حفظ الجثامين وتشريحها، وتوثيق حالتها قبل التسليم وبعده، يمثل جزءاً أساسياً من كشف مصير هذه الجثامين.
ما وراء الرقم 1700
لا تختصر قصة الجثامين المحتجزة في رقم جديد أو قائمة أسماء.
فوراء كل جثمان عائلة تنتظر منذ سنوات فرصة أخيرة لوداع ابن أو أب أو أم، وقبر يعرف صاحبه بدلاً من رقم معدني، وشهادة وفاة يمكن أن تغلق باباً من الانتظار.
وتزداد صعوبة القضية في غزة تحديداً، حيث تداخلت سياسة احتجاز الجثامين مع ملف المفقودين والدمار الواسع للمقابر والمباني، ما يجعل الوصول إلى الجثامين والتعرف إلى أصحابها وإعادتها إلى عائلاتها عملية إنسانية وقانونية معقدة.
وبينما تؤكد المؤسسات الفلسطينية أن نحو 1700 جثمان محتجز لدى إسرائيل، فإن 799 جثماناً فقط معروفة الهوية وفق أحدث البيانات الفلسطينية المنشورة، فيما لا يزال مصير أعداد أخرى مجهولاً.
وهكذا، لا يبدو أن الحرب على الجسد الفلسطيني تنتهي عند الموت؛ فبالنسبة إلى عائلات كثيرة، تبدأ بعده معركة أخرى: أين الجثمان؟ من يحتجزه؟ ولماذا لا تستطيع الأسرة دفن ابنها؟





