غزة.. حين يصبح الصمود خبزاً يومياً

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: ابراهيم محمد
في غزة، لم يعد الصمود كلمة تقال في الخطب، ولا صورة ترفع في المناسبات، فصار شيئا أكثر بساطة وقسوة، أن تستيقظ صباحا، تبحث عن الماء، تفكر في وجبة اليوم، تتفقد أطفالك، ثم تحاول أن تقنع نفسك بأن عليك أن تكمل.
هنا، لم تعد الحياة تسير وفق الأسئلة المعتادة، ولم يعد السؤال، ماذا سأفعل اليوم؟ أو أين سأذهب؟ أو ماذا سأشتري؟ أصبح السؤال أكثر بدائية، كيف سنمر بهذا اليوم؟.
وربما لهذا تبدو كلمة “الصمود” مختلفة في غزة، إنها ليست بطولة خارقة، ولا قدرة استثنائية على احتمال الألم، إنها سلسلة طويلة من التفاصيل الصغيرة التي لايراها العالم دائما، أم تبحث عن الخبز، أب يحاول تأمين دواء، طفل يتشبث بدفتره، مزارع يعود إلى أرضه، امرأة تحاول أن تصنع من القليل ما يكفي لعائلتها، أشياء عادية جدا، لكنها في غزة أصبحت أعمالا شاقة، فالحرب لا تغير المدن فقط، إنها غير معنى الأشياء.
فالبيت لم يعد مجرد جدران وسقف، بل صار ذاكرة كاملة، فالمطبخ ليس مكان الإعداد الطعام فقط، بل علامة على أن العائلة ما زالت تحاول الاحتفاظ بشيء من حياتها، والمدرسة ليست مجرد مبنى، بل وعد بأن الأطفال ما زال لهم مستقبل، والحقل ليس مساحة من الأرض، بل علاقة عمر كاملة بين الإنسان ومصدر رزقه.
وحين تدمر هذه الأشياء، لا يفقد الحجر وحده، يفقد جزء من الحياة التي كانت تبني حوله، ومع ذلك، يفاجئني دائما أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من نقطة تبدو مستحيلة.
ولكن رأيت عائلات فقدت بيوتها تبحث عن مساحة صغيرة تضع فيها فراشا، ورأيت أشخاصا فقدوا أعمالهم يفكرون في وسيلة جديدة لكسب بعض المال، ورأيت أمهات يحاولن حماية أطفالهن من الخوف، حتى عندما كن هن أنفسهن بحاجة إلى من يحميهن، ورأيت أطفالا يحاولون اللعب وسط مشهد لا يشبه الطفولة التي نعرفها.
هذه التفاصيل هي التي تجعلني أتردد قبل استخدام كلمة “صمود”، لأن الصمود، حين نستخدمه كثيرا، قد يتحول دون أن نشعر إلى طريقة لتجميل الألم.
فلا أريد أن أقول إن الغزيين أقوياء لأنهم تحملوا كل هذا، ولا أريد أن يتحول احتمالهم إلى حجة تقول إنهم قادرون على الاستمرار مهما طال الألم، فالإنسان لا ينبغي أن يجبر على أن يكون بطلا كي يحصل على حقه في الحياة.
وليس من الطبيعي أن يصبح الحصول على الماء إنجازا، وليس من الطبيعي أن تصبح وجبة بسيطة خبرا سعيدا، وليس من الطبيعي أن يكون النوم ليلة كاملة دون خوف أمنية، وليس من الطبيعي أن يتعلم الطفل كيف يميز أصوات الخطر قبل أن يتعلم أسماء الأشياء.
لهذا، فإن الحديث عن غزة بوصفها قصة صمود فقط قد يكون ناقصا، فخلف كل صورة لإنسان يواصل حياته، هناك سؤال أكبر، لماذا اضطر هذا الإنسان أصل إلى أن يصبح خبيرا في النجاة؟ هذا السؤال هو الذي يجب ألا يضيع وسط صور الدمار.
فالأرقام مهمة، إنها تحفظ أسماء الضحايا، وتقيس الخسائر، وتوثق حجم الكارثة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخبرنا ماذا يعني أن تحمل أم طفلها بحثا عن علاج، أوأن يفقد مزارع أرضه ثم يعود إليها، أو أن يحاول صحفي أن يكتب بينما تتقلص حياته الخاصة إلى محاولة مستمرة لتأمين أبسط الاحتياجات.
والأرقام تقول لنا كم خسر الناس، أما التفاصيل فتقول لنا ماذا تعني الخسارة، وهنا أعتقد أن غزة تحتاج إلى طريقة أخرى للنظر إليها، ليست غزة مكانا للضحايا فقط.
غزة أيضا مكان للناس الذين يحاولون، رغم كل شيء، أن يحتفظوا بأجزاء صغيرة من حياتهم، شخص يزرع، آخر يصلح ما يمكن إصلاحه، امرأة تخيط، معلم يحاول أن يعلم، طفل يبحث عن مساحة للعب، صحفي يكتب شهادة، أم تعد الطعام لعائلتها بما توفر.
هذه الأفعال قد تبدو صغيرة أمام حجم الحرب، لكنها في الحقيقة تعيد تعريف معنى الحياة اليومية، فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، لكنه يحتاج إلى الخبز كي يستطيع أن يحلم، وهذا ما يجعل الخبز في غزة أكثر من طعام، إنه مقياس بسيط لمدى قدرة الإنسان على الاحتفاظ بحياته.
وحين تبحث عائلة عن الخبز، فهي لا تبحث فقط عن سعرات تكفيها لساعات، فإنها تحاول أن تحافظ على إيقاع الحياة، وجبة صباح، وجبة مساء، أطفال يأكلون، يوم ينتهي، ويوم آخر يبدأ.
ربما لهذا يبدو الصمود في غزة شبيها بالخبز، متواضعا، يوميا، ضروريا، ولا يمكن تأجيله، لكن هناك خطرا آخر في الحديث عن الصمود، أن نعتاد عليه.
وأن نعتاد على صور الخيام، وعلى الأطفال الذين يحملون عبوات الماء، وعلى النساء اللواتي ينتظرن المساعدات، وعلى البيوت المدمرة، وعلى الناس الذين يتحدثون عن خساراتهم ببرود اكتسبوه من كثرة ما حدث.
وأخشى أن يصبح ما هو استثنائي عاديا، وأن نرى الإنسان وهو يحاول النجاة، فنصفه بالقوة، وننسى أن السؤال الحقيقي هو، لماذا ترك وحيدا أمام كل هذا، فالصمود ليس بديلا عن العدالة، وليس بديلا عن الأمان، وليس بديلا عن إعادةالبناء، وليس بديلا عن حق الإنسان في أن يعيش حياة لا يحتاج فيها إلى إثبات قدرته على التحمل كل صباح.
وأتمنى أن يأتي يوم لا نحتاج فيه إلى كتابة مقالات عن قدرة أهل غزة علىالصمود، يوم يصبح فيه الطفل طفلا فقط، لا شاهدا على الحرب، وتصبح المرأة امرأة لها أحلامها، لا شخصا يقيس يومه بعدد الاحتياجات التي استطاع تأمينها، ويعود المزارع إلى أرضه لأنه يريد أن يزرع، لا لأنه يحاول استعادة مصدر رزق فقده، ويعود الصحفي إلى عمله لأنه يريد أن يحكي عن الحياة، لا لأنه يشعر أن عليه أن يوثق ما قد يختفي، ويصبح البيت مكانا للعيش، لا حلما مؤجلا.
قد تبدو هذه الأمنيات بسيطة، لكنها ليست كذلك، لأن أبسط الأشياء تصبح ثمينة عندما يحرم الإنسان منها، وفي غزة، تعلمنا أن الحياة لا تختفي دفعة واحدة، فأحيانا تتقلص قليلا قليلا، حتى يصبح الحصول على الماء حدثا، وشراء الخبز تحديا، والنوم بلا خوف رفاهية، والجلوس مع العائلة دون انقطاع مناسبة نادرة.
لكننا تعلمنا أيضا أن الإنسان يستطيع أن يحمي شيئا من حياته حتى عندما يخسر الكثير، وهنا تكمن المفارقة، غزة لا تقول للعالم، انظروا كم نستطيع أن نتحمل، ربما تقول شيئا مختلفا تماما، انظروا كم نريد أن نعيش، وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع.
فالناس لا يريدون أن يكونوا رموزا للصمود إلى الأبد، يريدون حياة عادية، يريدون أن يأكلوا دون خوف، وأن يناموا دون قلق، وأن يعملوا، ويتعلموا، ويزرعوا، ويضحك أطفالهم، ويخططوا للغد، ويريدون أن يصبح البقاء حياة، لا معركة أخرى.
في غزة، صار الصمود خبزا يوميا، لكن العدالة الحقيقية تبدأ في اليوم الذي لايعود فيه الإنسان مضطرا إلى الصمود كي يعيش.





