التخدير العام لا يوقف الوعي ببساطة.. ماذا يحدث داخل الدماغ؟

الخامسة للأنباء - غزة
أظهرت أبحاث علمية حديثة أن فقدان الوعي تحت تأثير التخدير العام أكثر تعقيدًا مما كان يعتقد. إذ لا تقتصر آلية التخدير على خفض نشاط الدماغ، بل تؤثر الأدوية في طريقة تواصل مناطق الدماغ مع بعضها بعضًا.
وتناول تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أحدث الأبحاث المتعلقة بتأثير التخدير العام في الدماغ. مشيرًا إلى أن فهم الكيفية التي يفقد بها الإنسان وعيه أثناء التخدير قد يساعد العلماء أيضًا في الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة في علم الأعصاب: كيف ينشأ الوعي أصلًا؟
ويستخدم التخدير العام منذ القرن التاسع عشر لإدخال المرضى في حالة مؤقتة من فقدان الوعي خلال العمليات الجراحية.
ورغم مرور عقود طويلة على استخدامه، لا تزال الآلية الدقيقة التي تؤدي إلى غياب الوعي غير مفهومة بالكامل.
وتعمل أدوية التخدير بطرق مختلفة، إلا أن تأثيرها المشترك يتمثل في التأثير في الاتصال بين الخلايا العصبية وطريقة تبادل الإشارات بين مناطق الدماغ.
وتظهر صور الدماغ انخفاضًا في النشاط أثناء التخدير. لكن العلماء يبحثون في الوقت نفسه عن تفسير أدق للعلاقة بين هذه التغيرات وفقدان الوعي.
المهاد في قلب البحث
ويركز جانب من الأبحاث على منطقة “المهاد”، وهي جزء عميق من الدماغ يرتبط بعدة مناطق أخرى. كما يؤدي دورًا في تنظيم النوم واليقظة.
ويشير نيك فرانكس، أستاذ الفيزياء الحيوية والتخدير في إمبريال كوليدج لندن. إلى أن نشاط المهاد يتراجع في وقت مبكر بعد إعطاء التخدير، ما جعله محورًا مهمًا في دراسة آلية فقدان الوعي.
وأظهرت تجارب على الحيوانات أن تحفيز أجزاء محددة من المهاد قد يساعد على استعادة اليقظة بعد التخدير. فيما بحثت دراسات أخرى إمكانية الاستفادة من التحفيز في بعض حالات اضطراب الوعي.
لكن فرانكس يرى أن هذه النتائج لا تكفي حتى الآن للقول إن المهاد هو نقطة البداية الأساسية لفقدان الوعي. إذ لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات.
في المقابل، يرى باحثون أن القشرة الدماغية، ولا سيما مناطق في الفصين الجبهي والجداري. تؤدي دورًا مهمًا في الوعي، ما يعكس غياب اتفاق علمي نهائي حول وجود منطقة واحدة يمكن اعتبارها “مركز الوعي”.
هل هناك حالة بين الوعي واللاوعي؟
وتشير نتائج أخرى إلى أن الوعي قد لا يكون حالة ثنائية تقتصر على اليقظة أو الغياب الكامل.
ففي تجارب أجراها جايديب بانديت، استشاري التخدير في مستشفيات جامعة أكسفورد. تلقى المشاركون تخديرًا عامًا إلى جانب دواء لإرخاء العضلات، مع إبقاء الساعد خارج تأثير الدواء.
وتمكن نحو ثلث المشاركين من تحريك أيديهم استجابة لأوامر، رغم عدم ظهور مؤشرات واضحة على أنهم في حالة يقظة.
ويرى بانديت أن هذه النتائج تفتح احتمال وجود ما يمكن وصفه بـ”حالة ثالثة” من الوعي. تقع بين اليقظة واللاوعي الكامل.
وتتصل بذلك ظاهرة “الوعي العرضي”، التي يتذكر خلالها بعض المرضى جوانب من العملية بعد الإفاقة.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى حدوث ذلك لدى نحو مريض واحد من كل 15 ألف شخص يخضعون للتخدير العام.
التخدير يكشف طريقة تواصل الدماغ
وفي اتجاه آخر، درس عالم الأعصاب أندريا لوبي، من جامعة كامبريدج، التغيرات التي تطرأ على الاتصالات بين مناطق الدماغ أثناء التخدير. باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.
وأظهرت أبحاثه أن الدماغ يفقد، أثناء التخدير، جزءًا من الخصائص الفردية لأنماط نشاطه. كما تتراجع الاتصالات بعيدة المدى بين مناطق مختلفة مقارنة بحالة اليقظة.
وتشير هذه النتائج إلى احتمال أن يكون الوعي مرتبطًا بقدرة مناطق متعددة من الدماغ على تبادل المعلومات والتنسيق فيما بينها. وليس بوجود منطقة واحدة مسؤولة عنه.
وتزداد أهمية هذه الفرضية عند مقارنتها بتأثير بعض المواد المهلوسة. إذ تشير أبحاث إلى أن مواد مثل السيلوسيبين وLSD قد تزيد من مسارات الاتصال بين مناطق مختلفة من الدماغ، في حين يبدو أن التخدير العام يقلل هذا التواصل.
ويرى العلماء أن التخدير يوفر فرصة فريدة لدراسة الوعي، لأنه يسمح بإحداث فقدانه بصورة يمكن التحكم فيها. ومراقبة التغيرات التي تحدث في الدماغ أثناء الانتقال من اليقظة إلى حالة أخرى.
ومع ذلك، لا يزال تفسير الوعي من أكبر الأسئلة المفتوحة في علم الأعصاب.
ويشير بوريس هايفيتس، الأستاذ المشارك في طب التخدير والطب المحيط بالجراحة وطب الألم في جامعة ستانفورد. إلى أن المعرفة العلمية الحالية بشأن الوعي لا تزال محدودة. وأن فهم كيفية إنتاج الدماغ للتجربة الواعية يتطلب مزيدًا من البحث.





