تقاريرثابت

الأعلام الإسرائيلية تهز القدس.. ومواجهات تشتعل في الأزقة التاريخية

الخامسة للأنباء - غزة

الأعلام الإسرائيلية تهز القدس.. ومواجهات تشتعل في الأزقة التاريخية .. إعداد عهد أبو خوصة 

في يوم “مسيرة الأعلام” تتحول القدس إلى مشهد شديد التوتر، حيث الأعلام الإسرائيلية تهز القدس ومواجهات تشتعل في الأزقة التاريخية داخل البلدة القديمة، وسط انتشار أمني مكثف واحتكاكات متكررة بين المستوطنين والفلسطينيين.

في كل عام، تعيش القدس القديمة يومًا يُعتبر من أكثر الأيام توترًا وحساسية في المدينة، مع تنظيم ما يُعرف بـ”مسيرة الأعلام” الإسرائيلية، وهي المسيرة التي يشارك فيها آلاف المستوطنين والقوميين الإسرائيليين احتفالًا بما تسميه إسرائيل “يوم توحيد القدس”، في إشارة إلى سيطرتها على القدس الشرقية خلال حرب عام 1967.

        

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

لكن بالنسبة للفلسطينيين، لا تبدو هذه المسيرة مجرد احتفال قومي أو ديني، بل تُعتبر حدثًا استفزازيًا يحمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بالسيادة على القدس والمسجد الأقصى، خصوصًا أن المسيرة تمر داخل الأحياء الفلسطينية المكتظة في البلدة القديمة، وسط انتشار أمني إسرائيلي غير مسبوق، وهتافات قومية متشددة، ومواجهات تتكرر عامًا بعد عام.

ومع مرور الوقت، تحولت “مسيرة الأعلام” إلى واحدة من أكثر الأحداث القادرة على إشعال التوتر في القدس، بل وأحيانًا في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضًا، لأن ما يحدث خلالها لا يبقى محصورًا داخل أسوار البلدة القديمة، بل يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الصراع الأكبر على هوية المدينة ومستقبلها.

كيف بدأت مسيرة الأعلام؟

تعود جذور “مسيرة الأعلام” إلى السنوات التي أعقبت احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، حين بدأت جماعات دينية وقومية إسرائيلية بتنظيم فعاليات احتفالية بذكرى السيطرة على البلدة القديمة والمسجد الأقصى.

في البداية، كانت الفعاليات محدودة نسبيًا وتحمل طابعًا دينيًا احتفاليًا، لكن مع صعود التيارات اليمينية والدينية المتشددة داخل إسرائيل، تحولت المسيرة تدريجيًا إلى حدث قومي ضخم تشارك فيه جماعات استيطانية وحركات يمينية ووزراء وأعضاء كنيست وشخصيات دينية إسرائيلية بارزة.

الأعلام الإسرائيلية تهز القدس ومواجهات تشتعل في الأزقة التاريخية
الأعلام الإسرائيلية تهز القدس ومواجهات تشتعل في الأزقة التاريخية

ومع الوقت، أصبحت المسيرة تُنظم بشكل سنوي في يوم “توحيد القدس”، الذي تعتبره إسرائيل مناسبة وطنية تؤكد ما تصفه بـ”وحدة القدس تحت السيادة الإسرائيلية”.

لكن الفلسطينيين يرون في هذه المناسبة تكريسًا لاحتلال القدس الشرقية ومحاولة لفرض أمر واقع سياسي وديني داخل المدينة.

كيف تتحول القدس إلى مدينة عسكرية يوم المسيرة

قبل ساعات طويلة من بدء المسيرة، تبدأ الشرطة الإسرائيلية بنشر آلاف العناصر الأمنية في القدس، خصوصًا داخل البلدة القديمة ومحيط باب العامود والمسجد الأقصى.

وتتحول المدينة القديمة فعليًا إلى منطقة عسكرية مغلقة، حيث تُنصب الحواجز الحديدية في الشوارع، وتُغلق مداخل كثيرة، فيما تنتشر قوات الشرطة وحرس الحدود بأعداد كبيرة داخل الأزقة والأسواق.

وفي كثير من الأحيان، تُجبر الشرطة الإسرائيلية أصحاب المحال التجارية الفلسطينية على إغلاق متاجرهم، خصوصًا في المناطق التي تمر منها المسيرة.

ويقول مقدسيون إن يوم المسيرة يتحول إلى “يوم شلل كامل” داخل البلدة القديمة، حيث تتوقف الحركة التجارية، وتصبح حركة السكان الفلسطينيين مقيدة بشكل كبير.

كما تُفرض قيود على دخول الفلسطينيين إلى بعض المناطق، بينما يُسمح للمستوطنين بالتحرك بحرية تحت حماية أمنية مشددة.

باب العامود.. مركز المواجهة والتوتر

يُعتبر باب العامود النقطة الأكثر حساسية خلال “مسيرة الأعلام”.

فهذا الباب ليس مجرد مدخل إلى البلدة القديمة، بل يُعد بالنسبة للفلسطينيين رمزًا للحضور الفلسطيني في القدس، ومكانًا ارتبط خلال السنوات الأخيرة بالمواجهات والاحتجاجات الشعبية.

ولهذا فإن مرور آلاف المستوطنين عبر باب العامود يحمل دلالات سياسية كبيرة بالنسبة للفلسطينيين، الذين يرون فيه محاولة إسرائيلية لإظهار السيطرة على أهم معالم القدس العربية.

وخلال مرور المسيرة، ترتفع الأعلام الإسرائيلية بكثافة داخل الأزقة الفلسطينية، بينما يردد بعض المشاركين هتافات قومية ودينية متشددة.

وفي عدد من السنوات، وثقت وسائل إعلام ومنظمات حقوقية هتافات معادية للعرب والفلسطينيين أطلقها بعض المشاركين خلال المسيرة، إضافة إلى اعتداءات لفظية وجسدية على السكان الفلسطينيين والصحفيين وأصحاب المحال التجارية.

ويقول مقدسيون إن أكثر ما يثير الغضب هو شعورهم بأن الشرطة الإسرائيلية تتعامل مع المستوطنين باعتبارهم أصحاب المكان، بينما يُعامل الفلسطينيون وكأنهم خطر أمني داخل مدينتهم.

كيف تبدأ المواجهات..

غالبًا ما تبدأ المواجهات مع ازدياد الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين داخل البلدة القديمة.

في بعض الأحيان، يرفع شبان فلسطينيون الأعلام الفلسطينية أو يرددون هتافات مضادة، فتتدخل الشرطة الإسرائيلية بسرعة لتفريقهم بالقوة.

كما تندلع المواجهات عندما يحاول مستوطنون دخول أحياء فلسطينية أو استفزاز السكان، خصوصًا في المناطق القريبة من باب العامود والحي الإسلامي.

وعادة ما تستخدم الشرطة الإسرائيلية القوة بشكل واسع لتفريق الفلسطينيين، بما يشمل الضرب والهراوات والقنابل الصوتية وخراطيم المياه العادمة والاعتقالات.

وخلال بعض السنوات، تحولت شوارع القدس القديمة إلى ساحات اشتباك حقيقية، مع مطاردات داخل الأزقة التاريخية وعمليات اعتقال واسعة للشبان الفلسطينيين.

ويقول سكان مقدسيون إن الشرطة الإسرائيلية تتعامل خلال المسيرة بعقلية “فرض السيطرة الكاملة”، حيث يُمنع الفلسطينيون أحيانًا حتى من الوقوف قرب منازلهم أو متاجرهم.

المسجد الأقصى في قلب التوتر

تزداد حساسية “مسيرة الأعلام” عندما تتزامن مع اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى من قبل مستوطنين وجماعات دينية يهودية.

ففي كثير من السنوات، يدخل آلاف المستوطنين إلى باحات الأقصى تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، بينما تُفرض قيود مشددة على دخول الفلسطينيين إلى المسجد.

وهذا ما يعتبره الفلسطينيون محاولة لتغيير الوضع القائم في الحرم الشريف، الذي ينص على بقاء إدارة المسجد بيد الأوقاف الإسلامية.

وخلال فترات التوتر، تتحول باحات المسجد الأقصى نفسها إلى نقطة مواجهة، حيث يعتصم شبان فلسطينيون داخل المسجد أو يشتبكون مع الشرطة الإسرائيلية التي تقتحم أحيانًا المصليات والساحات لتفريقهم.

ولهذا ترتبط “مسيرة الأعلام” دائمًا بمخاوف من انفجار واسع في القدس، لأن أي توتر داخل الأقصى ينعكس بسرعة على الشارع الفلسطيني بأكمله.

كيف يتعامل المستوطنون مع الفلسطينيين خلال المسيرة

يرى فلسطينيون أن جزءًا من خطورة “مسيرة الأعلام” لا يتعلق فقط بالحدث نفسه، بل بالطريقة التي يتعامل بها بعض المستوطنين مع السكان الفلسطينيين.

فخلال المسيرة، يدخل آلاف القوميين والمتدينين الإسرائيليين إلى الأحياء العربية وهم يرفعون الأعلام الإسرائيلية ويرددون شعارات قومية ودينية.

وفي بعض الحالات، وقعت اعتداءات على فلسطينيين أو محال تجارية، كما جرى توثيق حالات تحطيم ممتلكات أو محاولة الاعتداء على صحفيين.

ويقول مقدسيون إن كثيرًا من المشاركين يتعاملون مع المسيرة باعتبارها “استعراض سيادة وقوة” داخل الأحياء الفلسطينية، وهو ما يزيد من حالة الاحتقان والغضب.

وفي المقابل، تقول الشرطة الإسرائيلية إنها تعمل على حماية الأمن ومنع الاحتكاكات، لكن الفلسطينيين يتهمونها بالانحياز الكامل للمستوطنين واستخدام القوة المفرطة ضد السكان المقدسيين.

مسيرة الأعلام وحرب غزة 2021

واحدة من أخطر المحطات المرتبطة بالمسيرة كانت في مايو/أيار 2021.

ففي ذلك الوقت، شهدت القدس توترًا غير مسبوق بسبب اقتحامات المسجد الأقصى والاحتجاجات في حي الشيخ جراح، بالتزامن مع التحضير لمسيرة الأعلام.

ومع تصاعد الأحداث، أطلقت فصائل فلسطينية في غزة صواريخ باتجاه القدس، لتبدأ بعدها الحرب التي استمرت 11 يومًا بين إسرائيل وقطاع غزة.

ومنذ ذلك الوقت، باتت “مسيرة الأعلام” تُعتبر حدثًا قد يقود إلى تصعيد إقليمي واسع، وليس مجرد فعالية إسرائيلية داخل القدس.

لماذا تبقى المسيرة شديدة الحساسية

تكمن خطورة “مسيرة الأعلام” في أنها تجمع بين الدين والسياسة والقومية داخل واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

فالقدس بالنسبة للفلسطينيين ليست مجرد مدينة، بل مركز للهوية الوطنية والدينية، بينما تعتبرها إسرائيل “عاصمتها الأبدية”.

ولهذا فإن أي استعراض للقوة داخل البلدة القديمة أو قرب المسجد الأقصى يتحول بسرعة إلى قضية سياسية وأمنية كبرى.

ومع استمرار الصراع على القدس، تبقى “مسيرة الأعلام” واحدة من أكثر المشاهد التي تكشف حجم الانقسام والصراع حول هوية المدينة ومستقبلها، حيث تتحول الأزقة الضيقة والأسوار القديمة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين روايتين وصراعين لا يزالان مستمرين حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى