تقاريرثابت

المسجد الأقصى.. كيف أشعلت ساحاته الانتفاضات الفلسطينية عبر التاريخ الحديث

الخامسة للأنباء - غزة

يقع المسجد الأقصى في قلب البلدة القديمة من مدينة القدس، ويُعد واحدًا من أكثر الأماكن حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس فقط بسبب مكانته الدينية، بل أيضًا لدوره السياسي والرمزي العميق.

ومنذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، لم يعد المسجد الأقصى مجرد مكان للعبادة، بل أصبح عنوانًا دائمًا للتوتر والمواجهات والانتفاضات الشعبية.

فكل تغيير أو اقتحام أو تصعيد داخل ساحاته كان كفيلًا بإشعال ردود فعل واسعة تمتد من القدس إلى باقي الأراضي الفلسطينية، وأحيانًا إلى العالمين العربي والإسلامي.

ويعكس هذا التاريخ الطويل أن المسجد الأقصى تجاوز كونه موقعًا جغرافيًا، ليصبح رمزًا تتداخل فيه العقيدة بالسياسة والهوية، ما جعله حاضرًا في كل موجات الصراع الفلسطيني الحديث.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

الأقصى بعد 1967.. بداية مرحلة الصراع المفتوح

بعد حرب يونيو/حزيران 1967، دخل المسجد الأقصى مرحلة جديدة تمامًا من تاريخه، إذ أصبح تحت السيطرة الإسرائيلية بعد احتلال القدس الشرقية.

ورغم بقاء إدارة الأوقاف الإسلامية الأردنية مسؤولة عن إدارة شؤونه اليومية ضمن ما يُعرف بالوضع القائم، فإن الواقع على الأرض بدأ يتغير تدريجيًا مع مرور السنوات.

بدأت تظهر اقتحامات متكررة من قبل مجموعات يهودية متطرفة، إلى جانب تصاعد الدعوات التي تطالب بتغيير الوضع التاريخي للمسجد أو تقسيمه زمانيًا ومكانيًا، إضافة إلى أعمال الحفر في محيطه، وهو ما خلق حالة دائمة من التوتر.

ومع الوقت لم يعد الأقصى مجرد مكان عبادة، بل أصبح ساحة صراع سياسي ورمزي مفتوح يعكس عمق الخلاف حول القدس نفسها.

ثورة البراق 1929.. الشرارة الأولى للصراع حول المقدسات

قبل عقود من الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية، شهدت المدينة واحدة من أهم وأخطر المواجهات المرتبطة بالمقدسات، وهي أحداث ثورة البراق عام 1929. في تلك الفترة، كان الخلاف يدور حول حائط البراق الذي يسميه اليهود حائط المبكى، حيث تصاعد التوتر نتيجة محاولات يهودية لتنظيم تجمعات وطقوس قرب الحائط، ما أثار مخاوف الفلسطينيين من تغييرات في الوضع القائم للمكان.

ومع تصاعد الاحتجاجات والمظاهرات، انفجرت الأوضاع لتتحول إلى مواجهات واسعة امتدت إلى عدة مدن فلسطينية، وأسفرت عن سقوط مئات الضحايا من الجانبين.

هذه الأحداث شكلت نقطة تحول مبكرة في تاريخ الصراع، لأنها كشفت أن القدس ليست مجرد مدينة دينية، بل ساحة قابلة للاشتعال بسبب حساسيتها الدينية والسياسية العالية، وأن أي تغيير في مقدساتها يمكن أن يؤدي إلى انفجار واسع.

إحراق المسجد الأقصى 1969.. صدمة غيّرت مسار الوعي الإسلامي

في واحد من أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخ المسجد الأقصى الحديث، اندلع حريق كبير داخل المسجد عام 1969 بعد أن أقدم شخص على إشعال النار داخله، ما أدى إلى تدمير أجزاء مهمة من المبنى، بما في ذلك منبر صلاح الدين التاريخي الذي كان يُعد أحد أبرز المعالم الإسلامية في المسجد.

وقع الحادث بعد فترة قصيرة من احتلال القدس الشرقية، ما ضاعف من وقع الصدمة في العالم العربي والإسلامي، حيث اعتبر كثيرون أن ما حدث ليس مجرد حادث فردي بل ضربة مباشرة لمكانة المسجد الأقصى.

وقد ساهم هذا الحدث في رفع مستوى الاهتمام الإسلامي بالقضية، ودفع نحو تنسيق سياسي وديني أكبر بين الدول الإسلامية، وهو ما انعكس لاحقًا في إنشاء منظمة التعاون الإسلامي التي جاء تأسيسها في سياق تعزيز الرد الجماعي على ما يتعلق بالقدس والمقدسات.

مجزرة الأقصى 1990.. تحول المسجد إلى ساحة مواجهة مباشرة

في عام 1990، شهد المسجد الأقصى واحدة من أكثر لحظاته دموية حين اندلعت مواجهات عنيفة بعد إعلان مجموعات يهودية متطرفة نيتها وضع حجر أساس لما يسمى بالهيكل داخل ساحات المسجد.
تجمع آلاف الفلسطينيين داخل الأقصى للتصدي لهذا المخطط، لكن القوات الإسرائيلية اقتحمت المكان واندلعت مواجهات استخدمت فيها القوة النارية ضد المتظاهرين.

أسفرت تلك الأحداث عن سقوط عشرات القتلى وإصابة المئات، ما جعل المسجد الأقصى يتحول في الوعي الفلسطيني إلى ساحة مواجهة مباشرة وليست مجرد رمز ديني أو سياسي. ومنذ تلك اللحظة، ترسخت فكرة أن أي محاولة لتغيير وضع المسجد ستقابل برد فعل شعبي واسع.

اقتحام أرئيل شارون 2000.. بداية انتفاضة الأقصى

في سبتمبر عام 2000، قام أرئيل شارون، الذي كان حينها زعيم المعارضة الإسرائيلية، بزيارة باحات المسجد الأقصى تحت حماية أمنية مشددة. هذه الزيارة لم تُنظر إليها كخطوة عادية، بل كرسالة سياسية مرتبطة بالسيادة على القدس، وهو ما أثار غضبًا فلسطينيًا واسعًا.

بعد يوم واحد فقط، اندلعت مواجهات عنيفة داخل القدس امتدت بسرعة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، لتبدأ واحدة من أكبر الانتفاضات في تاريخ الصراع، والتي عُرفت باسم انتفاضة الأقصى.
استمرت هذه الانتفاضة لسنوات طويلة وخلفت آلاف الضحايا، وأعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني في فلسطين والمنطقة.

هبة القدس 2015.. تصاعد المواجهات الفردية

في عام 2015، عاد التوتر إلى المسجد الأقصى بشكل جديد، حيث شهدت القدس والضفة الغربية موجة من العمليات الفردية والاشتباكات التي ارتبطت بشكل مباشر بما كان يحدث داخل ساحات المسجد.

جاءت هذه الأحداث في ظل تصاعد اقتحامات المستوطنين وتزايد المخاوف من تغيير الوضع القائم داخل الأقصى.

في تلك الفترة انتشر شعار “الأقصى في خطر” بشكل واسع، وأصبح رمزًا لحالة القلق الشعبي المتصاعد. ومع مرور الوقت، تحولت المواجهات إلى حالة مستمرة من التوتر اليومي، خصوصًا بين الشباب الفلسطيني في القدس.

هبة باب الأسباط 2017.. مواجهة فرضت تراجعًا مؤقتًا

في عام 2017، قررت السلطات الإسرائيلية تركيب بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة على مداخل المسجد الأقصى بعد حادثة إطلاق نار. لكن هذا القرار قوبل برفض فلسطيني واسع، إذ اعتبر محاولة لتغيير الوضع التاريخي للمسجد وفرض سيطرة أمنية أكبر عليه.

تحولت القدس إلى ساحة احتجاج يومي، حيث أدى الفلسطينيون الصلوات في الشوارع وأمام أبواب البلدة القديمة لعدة أيام متواصلة، ما خلق ضغطًا شعبيًا كبيرًا انتهى بإزالة البوابات الإلكترونية.

هذه المواجهة اعتبرت واحدة من اللحظات النادرة التي تمكن فيها الشارع المقدسي من فرض تغيير على قرار متعلق بالأقصى.

رمضان 2021.. اشتعال القدس وغزة معًا

في رمضان عام 2021، شهد المسجد الأقصى مواجهات واسعة بعد اقتحامات متكررة من الشرطة الإسرائيلية، تزامنت مع أحداث حي الشيخ جراح في القدس. هذه التطورات أدت إلى تصاعد التوتر بشكل سريع، خاصة مع اندلاع اشتباكات داخل ساحات المسجد.

ومع استمرار التصعيد، أعلنت فصائل فلسطينية أن ما يحدث في القدس خط أحمر، لتندلع بعد أيام مواجهة عسكرية واسعة في قطاع غزة.

هذه الأحداث أكدت مرة أخرى أن المسجد الأقصى ليس قضية محلية تخص القدس فقط، بل عنصر قادر على إشعال كامل الجغرافيا الفلسطينية.

اقتحامات المستوطنين.. توتر دائم بلا نهاية واضحة

في السنوات الأخيرة، أصبحت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية الشرطة الإسرائيلية مشهدًا متكررًا، خاصة خلال الأعياد اليهودية. هذه الاقتحامات يراها الفلسطينيون محاولة لتغيير الواقع داخل المسجد تدريجيًا، خصوصًا مع تصاعد الدعوات داخل التيار اليميني الإسرائيلي لتقسيم المسجد زمانيًا ومكانيًا أو السماح بصلوات يهودية داخله.

ورغم أن إسرائيل تقول إنها تحافظ على حرية الوصول، فإن الواقع الميداني يشير إلى حالة توتر مستمرة تجعل الأقصى واحدًا من أكثر الأماكن قابلية للاشتعال في أي لحظة.

لماذا يبقى المسجد الأقصى محور الصراع؟

تكمن أهمية المسجد الأقصى في أنه يجمع بين عدة أبعاد في وقت واحد، فهو مكان ديني له قدسية كبيرة لدى المسلمين، وفي الوقت نفسه يمثل رمزًا وطنيًا وسياسيًا للفلسطينيين يرتبط بالقدس والهوية والوجود. كما أن أي تغيير في وضعه التاريخي يُنظر إليه كتهديد مباشر للهوية الجماعية، بينما يضيف البعد العاطفي الشعبي قوة أكبر لأي حدث يقع داخله، حتى لو كان محدودًا.

 الأقصى.. مرآة الصراع المفتوح

على مدار عقود طويلة، لم يكن المسجد الأقصى مجرد موقع ديني، بل تحول إلى مرآة تعكس طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بكل تعقيداته. فكل حدث داخل ساحاته لا يبقى محليًا، بل يمتد بسرعة ليشعل الشارع الفلسطيني ويؤثر على المنطقة بأكملها، ليبقى الأقصى في النهاية رمزًا مركزيًا للصراع حول القدس والهوية والتاريخ والوجود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى