مقالات الخامسة

بين سقوط نتنياهو والتحولات الأمريكية… هل تلوح فرصة جديدة للقضية الفلسطينية؟

الخامسة للأنباء - غزة

 

الكاتب: عبد الله كميل

لم يكن بنيامين نتنياهو مجرد رئيس حكومة في إسرائيل، بل كان عنواناً لمرحلة سياسية كاملة اتسمت بتعميق الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، ومحاولة تصفية مرتكزات القضية الفلسطينية، مستنداً إلى ائتلافات يمينية متطرفة وإلى دعم أمريكي غير مسبوق في بعض المراحل. ولذلك فإن خروجه من المشهد السياسي، إن تحقق، لا يمثل حدثاً إسرائيلياً داخلياً فحسب، بل محطة قد تحمل انعكاسات إقليمية ودولية تستحق القراءة المتأنية.

لكن من الخطأ الاعتقاد أن رحيل نتنياهو وحده كفيل بتغيير الواقع. فإسرائيل ليست دولة يحكمها شخص واحد، وإنما منظومة سياسية وأمنية ومؤسساتية تتقاطع فيها مصالح الأحزاب والجيش والمؤسسات الأمنية والرأي العام. ومع ذلك، فإن شخصية رئيس الحكومة تبقى عاملاً مؤثراً في تحديد اتجاه السياسات وحدّة الخطاب وحدود الانفتاح على أي مسار سياسي. ومن هنا، فإن ما بعد نتنياهو قد يفتح أكثر من احتمال: فقد يتيح صعود قيادة أقل صدامية فرصة لخفض التوتر وإعادة ترتيب الأولويات، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى إعادة إنتاج السياسات نفسها بواجهة أكثر اعتدالاً، من دون أي تغيير جوهري في جوهر الاحتلال.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

لقد نجح نتنياهو طوال سنوات حكمه في ترسيخ خطاب يقوم على إدارة الصراع لا حله، وإضعاف فرص التسوية، وتوسيع المشروع الاستيطاني، وإبعاد المجتمع الإسرائيلي عن فكرة السلام باعتبارها خياراً استراتيجياً. كما استثمر الانقسامات الفلسطينية والمتغيرات الإقليمية لتعزيز هذا النهج، حتى أصبحت فكرة الدولة الفلسطينية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن المشكلة لا تختزل في نتنياهو وحده، بل في التحول الأعمق داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه نتاج جهد كبير مارسه اليكين المتطرف في اسرائيل مستغلا اخطاء واحداث من قبل بعض الاطراف الفلسطينيه ، حيث تراجعت الثقة بخيار التسوية، وازدادت النزعة الأمنية، وصعدت قوى سياسية تعتبر أن إدارة الصراع أو فرض الوقائع على الأرض أكثر جدوى من أي تفاوض سياسي.

مقالات ذات صلة

وفي المقابل، تشهد الولايات المتحدة تغيرات سياسية متلاحقة قد تعيد رسم أولويات السياسة الخارجية. فواشنطن، مهما اختلفت الإدارات، تبقى اللاعب الدولي الأكثر تأثيراً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وإذا ما تزامن تغير في القيادة الإسرائيلية مع إدارة أمريكية أكثر اهتماماً بالاستقرار الإقليمي وإحياء المسار السياسي، فقد تنشأ نافذة جديدة، وإن كانت ضيقة، لإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي. لكن هذا الاحتمال ليس مضموناً؛ إذ إن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ظلت، في جوهرها، محكومة بتوازنات داخلية معقدة، وبنفوذ مؤسساتي وحزبي يجعل أي تحول جذري أمراً صعباً، حتى عندما تتبدل الوجوه في البيت الأبيض.

ومن جهة أخرى، لا ينبغي إغفال احتمال أن يؤدي غياب نتنياهو إلى مزيد من الارتباك داخل الساحة الإسرائيلية، لا إلى الانفتاح السياسي. فبعض البدائل المحتملة قد تكون أقل استفزازاً في الخطاب، لكنها أكثر حذراً في تقديم تنازلات حقيقية، وقد تفضّل الحفاظ على الوضع القائم بدل الدخول في مواجهة مع اليمين الاستيطاني أو مع المزاج العام الإسرائيلي. كما أن أي حكومة إسرائيلية جديدة قد تجد نفسها مقيدة باعتبارات أمنية وانتخابية تجعلها غير مستعدة لتقديم خطوات ملموسة تجاه الفلسطينيين، حتى لو تبنت لغة أكثر مرونة أمام المجتمع الدولي.

غير أن هذه الفرصة لن تتحول إلى إنجاز تلقائياً. فالتاريخ يعلمنا أن الفرص السياسية تضيع عندما يغيب الاستعداد لاستثمارها. ولذلك فإن المسؤولية الفلسطينية اليوم لا تقل أهمية عن أي تغير في إسرائيل أو الولايات المتحدة. فالوحدة الوطنية، وتجديد الشرعيات، وبناء استراتيجية سياسية ودبلوماسية موحدة، وتفعيل أدوات القانون الدولي، وتعزيز الصمود على الأرض، هي عناصر أساسية لتحويل أي متغير خارجي إلى مكسب وطني. وفي المقابل، فإن استمرار الانقسام الفلسطيني أو غياب رؤية موحدة في اطار منظمة التحرير قد يجعل أي تحول دولي أو إسرائيلي مجرد فرصة مهدورة، مهما كانت الظروف مواتية.

كما أن العالم بدأ يدرك أكثر من أي وقت مضى أن استمرار الاحتلال ليس وصفة للاستقرار، وأن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل من خلال تسوية عادلة تضمن حقوق الشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. ومع ذلك، فإن هذا الإدراك الدولي، على أهميته، لا يكفي وحده ما لم يُترجم إلى ضغط سياسي فعلي، وإلى إرادة دولية تتجاوز بيانات القلق والتنديد إلى خطوات عملية توقف التوسع الاستيطاني وتعيد الاعتبار لمسار سياسي جاد.

إن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة، لكنها لن تكون سهلة. فما بعد نتنياهو لن يكون بالضرورة نقيضاً لنتنياهو، وما بعد أي تغير في واشنطن لن يعني تحولاً جذرياً في المواقف الأمريكية. وقد يكون البديل الإسرائيلي أقل تطرفاً في الشكل وأكثر براغماتية في الأسلوب، لكنه لا يلتزم بالضرورة بحل عادل للقضية الفلسطينية. وفي المقابل، قد تفرض التحولات الإقليمية والدولية على أي قيادة إسرائيلية جديدة قدراً من المرونة لم يكن متاحاً في السابق. إلا أن السياسة تُبنى على استثمار الفرص، لا انتظار المعجزات.

القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى التفاؤل المفرط ولا إلى التشاؤم المطلق، بل إلى قراءة واقعية للمتغيرات، وإرادة وطنية قادرة على تحويل التحولات الدولية والإقليمية إلى فرصة حقيقية تعيد للقضية مكانتها، وللشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال. فالتاريخ لا يصنعه تغير الحكومات وحده، وإنما تصنعه أيضاً الشعوب التي تعرف كيف تستثمر لحظات التحول الكبرى، وتدرك في الوقت نفسه أن كل فرصة خارجية تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة كي تتحول إلى إنجاز سياسي حقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى