ما بعد تأجيل الانتخابات: حوار يبدأ بالمراجعة.. لا بإعادة إنتاج الأزمة

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: وليد العوض
بعد نحو ستة أشهر من الانشغال بملف الانتخابات، وما رافقه من نقاشات سياسية واسعة، طُوي الملف مؤقتًا، عقب حوارات بين حركتي فتح وحماس وعدد من القوى الفلسطينية التي طالبت بالذهاب إلى الحوار الوطني الشامل قبل إجرائها، وهو ما أقرّته اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعها الذي عقد اليوم السبت 10-10-2026 .
لكن طيّ ملف الانتخابات مؤقتًا لا يعني إسقاطه أو ترحيله إلى أجل غير معلوم، كما لا ينبغي أن يتحول الحوار الوطني إلى محطة جديدة لتأجيل الاستحقاقات. فالانتخابات ضرورة ديمقراطية لتجديد الشرعيات وإعادة بناء النظام السياسي، شريطة توافر الظروف التي تضمن وحدة الأرض والنظام والمؤسسات، ومشاركة شعبنا بحرية، بعيدًا عن مخططات الفصل والوصاية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سيكون الحوار فرصة لمعالجة الأزمة السياسية الفلسطينية من جذورها، أم مجرد انتقال من ملف إلى آخر، فيما تبقى أسباب الأزمة قائمة؟
تتضاعف أهمية هذا السؤال في ظل المخاطر غير المسبوقة التي تواجه شعبنا بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة على قطاع غزة، وما خلفته من قتل ودمار وتهجير وتجويع، وما رافقها من محاولات لتقويض القضية الفلسطينية وإعادة تشكيل مستقبلها وفق إرادات خارجية.
لذلك، لا ينبغي أن يبدأ الحوار بتقاسم المواقع أو ترتيب العلاقات بين القوى السياسية، ولا أن يقتصر على موعد الانتخابات وشروط إجرائها، بل يجب أن ينطلق من مراجعة وطنية شجاعة وصريحة للتجربة الفلسطينية، وخيارات القوى السياسية وقراراتها ونتائجها، وصولًا إلى استخلاص الدروس وتصحيح المسار.
والمراجعة ليست محاكمة سياسية أو تصفية حسابات، بل مسؤولية وطنية تقتضي مصارحة الشعب، وتحديد مكامن الخلل، والاعتراف بالأخطاء دون انتقائية أو مواربة، وتحميل كل طرف مسؤوليته وفق موقعه ودوره. فليس من المقبول أن نواجه مخاطر وجودية بتجاهل ما جرى، أو بتبادل الاتهامات، أو بإعادة إنتاج السياسات ذاتها وانتظار نتائج مختلفة.
وينبغي أن تشمل المراجعة إدارة الصراع مع الاحتلال، وتداعيات الانقسام، وأداء النظام السياسي ومؤسساته، وأسباب العجز عن استعادة الوحدة، ومدى قدرتنا على حماية شعبنا ومواجهة مخططات التهجير والفصل والوصاية.
وفي مقدمة ذلك، تبرز ضرورة استعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية ومكانتها بصفتها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتشاركية، بما يعزز وحدة التمثيل الوطني، ويعيد الاعتبار للبرنامج الوطني المشترك، ويحمي القرار الوطني المستقل.
كما يجب أن تقود المراجعة إلى إعادة تحديد وجهة المشروع الوطني، والانتقال من مربع السلطة إلى مربع الدولة، باعتبارها تجسيدًا لحق شعبنا في تقرير المصير والاستقلال والسيادة. ويتطلب ذلك توظيف اتساع دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين في خطوات سياسية ودبلوماسية عملية تعزز مكانتها، وتواجه محاولات الالتفاف على مشروعها الوطني.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى موقف فلسطيني موحد إزاء المساعي الرامية إلى فرض ترتيبات خارجية على قطاع غزة، بما فيها ما يُطرح تحت مسمى «مجلس السلام»، وضمان ألا تتحول إلى مدخل للوصاية أو فصل غزة عن الضفة الغربية والقدس أو تجاوز منظمة التحرير ومؤسسات الدولة الفلسطينية. فمستقبل غزة شأن وطني فلسطيني، لا يجوز تقريره بمعزل عن وحدة الأرض والشعب والتمثيل السياسي.
ويجب أن يتصدر منع تجدد حرب الإبادة على غزة أولويات العمل الوطني، عبر تحرك سياسي ودبلوماسي موحد يضمن تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف القتل والتدمير والتهجير، وتوفير الحماية الدولية، وتسريع إدخال المساعدات وإعادة الإعمار، بما يصون حق شعبنا في البقاء على أرضه والعيش بحرية وكرامة.
ولا تكتمل هذه المهام دون معالجة جدية لقضايا الناس في غزة والضفة الغربية والقدس، والاستجابة لاحتياجاتهم الإنسانية والمعيشية، ومعالجة أزمات الموظفين والفئات المتضررة، وإعادة بناء ما دمرته الحرب. فالحوار الذي لا تنعكس نتائجه على حياة المواطنين وحقوقهم ومستقبل أبنائهم يفقد مضمونه الوطني والاجتماعي.
غير أن المراجعة، مهما كانت صريحة، لن تحقق غايتها ما لم تتحول إلى برنامج وطني ملزم، وشراكة سياسية حقيقية، ومؤسسات موحدة، وآليات واضحة لتنفيذ ما يتم التوافق عليه.
ومن هنا، فإن اختيار موعد الحوار ليس مسألة إجرائية عابرة، بل قرار سياسي ينبغي أن يراعي دقة المرحلة وحساسيتها، بما في ذلك الاستحقاقات والحسابات الانتخابية الإسرائيلية وانعكاساتها المحتملة على المشهد الفلسطيني. ولا يجوز أن تبقى المبادرة الفلسطينية رهينة الانتظار والتطورات الخارجية؛ بل المطلوب تحديد موعد واضح للحوار وسقف زمني ملزم لإنجاز مخرجاته.
كما ينبغي ألا تضيع الانتخابات مجددًا في متاهة التأجيل، بل أن يفضي الحوار إلى توافق واضح بشأن شروط إجرائها ومواعيدها، بما يضمن مشاركة شعبنا في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، ويحفظ وحدة النظام السياسي، ويمنع تكريس الفصل بين أجزاء الوطن.
إن شعبنا الذي دفع أثمانًا باهظة لا يستحق حوارًا لإدارة الأزمة، بل حوارًا للخروج منها؛ ولا يحتاج إلى تسويات مؤقتة تعيد إنتاج الانقسام، بل إلى إرادة سياسية تضع المصلحة الوطنية ومواجهة الاحتلال وحماية حقوق الشعب فوق المصالح الفئوية والحسابات التنظيمية.
فالحوار الذي لا يبدأ بالمراجعة الصريحة سيظل معرضًا لإعادة إنتاج الأزمة، والمراجعة التي لا تقود إلى تغيير حقيقي ستبقى مجرد كلام مؤجل. وبينهما تقع مسؤوليتنا الوطنية: أن نصارح شعبنا، ونتعلم من تجربتنا، ونستعيد وحدتنا، ونفتح طريقًا سياسيًا يحمي حقوقه ويصون مشروعه الوطني، وصولًا إلى الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.




