تقاريرثابت

من أطباق المطبخ إلى لفائف السجائر: “الملوخية” ملاذ المدخنين الأخير في زمن الحصار

الخامسة للأنباء - غزة

من أطباق المطبخ إلى لفائف السجائر .. تقرير خاص إعداد: إيمان غنام

في مشهد يجسد حجم الأزمات التي عاشها ويعيشها قطاع غزة، برزت ظواهر غير مألوفة فرضتها الظروف الاقتصادية القاسية. ومع اشتداد الحصار وانعدام دخول البضائع والتبغ، ارتفعت أسعار السجائر إلى مستويات غير مسبوقة.

أمام هذا الواقع، لجأ بعض المدخنين إلى بدائل بدائية لإشباع رغبتهم في التدخين. وكان من أبرزها استخدام أوراق الملوخية المجففة. كما استخدم آخرون خليطاً من الشاي وأوراق الجوافة. وجرى لف هذه المواد في أوراق الصحف أو الدفاتر لتدخينها.

ارتفاع الأسعار يدفع إلى البحث عن البديل

لم يكن اللجوء إلى تدخين الملوخية نوعاً من الترفيه أو الفضول. بل جاء نتيجة ظروف قاهرة فرضها الحصار وندرة التبغ.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وشهدت أسعار السجائر ارتفاعاً حاداً خلال فترات الأزمة. ووصل سعر السيجارة الواحدة إلى مبالغ تفوق قدرة كثير من المواطنين.

كما أدى اختفاء السجائر والمعسل من الأسواق إلى تفاقم المشكلة. وجاء ذلك نتيجة إغلاق المعابر ومنع دخول العديد من السلع.

ويعاني كثير من المدخنين من إدمان شديد على النيكوتين. لذلك وجد بعضهم صعوبة في التوقف المفاجئ عن التدخين. ودفعهم ذلك إلى البحث عن أي مادة جافة تنتج دخاناً يشبه دخان السجائر التقليدية.

ويقول أبو العبد (55 عاماً): “نعلم أن هذه المواد مؤذية ومقززة. كما أن رائحتها تشبه الأعشاب المحترقة. لكن غياب البديل والضغوط النفسية يدفعاننا إلى استخدامها. حتى لو كانت النتيجة الصداع والسعال”.

مخاطر صحية وتحذيرات طبية

يحذر الأطباء وخبراء الصحة العامة من هذه الممارسة. ويؤكدون أن تدخين الأعشاب المستخدمة في الطهي يحمل مخاطر صحية كبيرة. وفي بعض الجوانب قد يكون أشد ضرراً من التبغ التقليدي.

ومن أبرز الأضرار استنشاق كميات مرتفعة من غاز أول أكسيد الكربون. وينتج هذا الغاز السام عن احتراق أوراق الملوخية الجافة. وقد يؤدي إلى الدوار والصداع وضيق التنفس.

كما أن أوراق الملوخية غير مهيأة للاحتراق بغرض التدخين. لذلك ينتج عن حرقها رماد كثيف ومواد قطرانية ضارة. وتترسب هذه المواد داخل الرئتين. وقد تتسبب بالسعال المزمن والتهابات الجهاز التنفسي.

من جهتها، حذرت الطبيبة نرمين شعت، العاملة في مستشفى ناصر، من خطورة هذه الظاهرة. وقالت إن استنشاق الأعشاب المحترقة وأبخرة الحبر يسبب تهيج الشعب الهوائية والسعال وضيق النفس.

وأضافت أن استخدام أوراق الصحف والدفاتر في عملية اللف يزيد من احتمالية استنشاق مواد سامة ناتجة عن احتراق الحبر. وأكدت أن هذه الممارسات قد تترك آثاراً صحية خطيرة على المدى القريب والبعيد.

من الأزمة إلى فرصة للتغيير

يفرض الواقع المعيشي القاسي تحديات كبيرة على سكان قطاع غزة. ومع ذلك، يرى مختصون أن هذه الأزمة قد تشكل فرصة للإقلاع عن التدخين.

فبدلاً من استبدال سم معروف بمواد مجهولة التأثير، يمكن استثمار هذه المرحلة لاتخاذ قرار طال تأجيله. ويتمثل هذا القرار في التوقف النهائي عن التدخين.

فالجسد الذي يتحمل أعباء الحصار والأزمات يستحق الحماية والرعاية. وتبقى الصحة رأس المال الأهم للمواطن في مواجهة الظروف الصعبة.

ولا يمكن عزل ظاهرة تدخين الملوخية والأعشاب الأخرى عن سياقها الحقيقي. فهي ليست مجرد سلوك عابر أو موضة مؤقتة. بل تعكس حجم الضغوط النفسية والاقتصادية التي يعيشها السكان في أوقات الأزمات.

إنها صورة تختزل قسوة الواقع. ففيها يتحول ما يوضع على موائد الطعام إلى مادة للتدخين. وتصبح الرئة ساحة لتجارب بدائية تفتقر إلى أبسط معايير السلامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى