مقالات الخامسة

مأساة غزة وملهاة الضفة!

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: عبد المجيد سويلم

بعد الاعتذار لمحمود درويش عن اقتباس عناوينه الإعجازية في تسمية قصائده ودواوينه كما أفعل أحياناً، فإن عليَّ أن أعلل هذا الاقتباس وأن أكشف بقدر ما أستطيع عما إذا كان الوضع هو كذلك أم لا، وعما إذا كانت الأمور هي فعلاً على هذه الشاكلة، وعما إذا كانت الأمور ستتبدل لاحقاً، فنشهد تبادلاً في المواقع وتقاسماً في الأدوار وتنابزاً بالألقاب والمسميات.
هذا العنوان ليس حصيلة لقراءة في آخر المستجدات، وإنما على العكس تماماً، فهو قراءة في حصيلة النتائج التي تمخضت عن حرب استمرت لثلاث سنين أو ما يقارب، وبدأت ترسي وقائعها وحقائقها الجديدة في هذا الإقليم.
كان من المفترض أن تكون هذه الحقائق والوقائع عنوان هذا المقال، لكن إلحاحية الوضع الفلسطيني الراهن هي التي أملت العنوان المقتبس.
تعالوا نحاول إجمال هذه الحقائق والوقائع أولاً.
إذا استثنينا السلاح النووي المدمّر، فقد استخدمت الولايات المتحدة ومعها دولة الاحتلال كل ما لديها من أسلحة عسكرية، وكل ما لديها من نفوذ وسطوة سياسية على المستوى الدولي الشامل والأعم، وحشدت كل ما لديها ولديهما من موارد وطاقات ومقدرات، ومن وسائل تقنية من أعلى وأرقى مستويات العمل الاستخباري، وسخّرت كل ما لديها من وسائط إعلامية وثقافية، وزجّت بها في حروب إجرامية وإبادية لا ترحم، وبلا قيود أو حدود، أدت من بين ما أدت إليه إلى قتل عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، وإلى جرح أكثر من نصف مليون إنسان حتى الآن، وإلى تدمير شامل في قطاع غزة، وإلى دمار كبير في لبنان، وإلى خسائر فادحة في العراق واليمن، وإلى دمار وخسائر مهولة في إيران.
مثل هذا القوة الغاشمة المدمرة كان يفترض ألا تبقي ولا تذر، وكان يمكن أن تؤدي هذه السنوات الثلاث من الإبادة والإجرام المنفلت من كل عقال وعقل وعقلانية إلى الانتصار الأميركي والإسرائيلي المطلق والحاسم والنهائي حسب العقل الغربي والذهنية الاستشراقية، وحسب العقل العربي المعلول بأمراض مزمنة.
النتيجة الماثلة أمامنا اليوم لكل منصف، وإذا ما تجرد من الأهواء ومن خلفياته بالأفكار المسبقة الصنع، ومن أيديولوجيته التي يحاول جاهداً أن يتبرأ منها، ولا يبذل جهداً لإخفاء معالمها، هي أن هذه الحرب الهمجية في عدوانيتها، وفي ردود أفعالها على هجوم السابع من أكتوبر، وفيما استخدمته من الإجرام، وفيما وضعت له من أهداف وفيما خطط لها من مراحل، وما أجمع عليها من آليات خسيسة في التنفيذ أخفقت، وفشلت فشلاً ذريعاً بالمقارنة الواقعية بكل عناصر هذه الحرب.
العنصر الأول هو عدم قدرة الولايات المتحدة ومعها دائماً دولة الاحتلال على الاستمرار بالحرب اعتماداً على القوة العسكرية والتدميرية فقط، لأن هذه القوة تم اختبارها في الميدان، وفشلت على الرغم من كل ما انطوت عليه من همجية وإجرام ونوايا مؤكدة للتدمير والإبادة والمحو والاستئصال وحتى الاجتثاث، ولا يوجد ما يثبت ويؤكد أن المزيد من هذه القوة سيؤدي إلى تغيير جوهري في نتائجها.
والثاني هو أن الانتقال إلى تدمير البنى كلها، في كل ساحات القتال هو أمر ممكن، وهو في متناول الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، لكن تبعات هذه الإستراتيجية، والتي يهدد بها الرئيس ترامب، أكبر من قدرته على تحمّل تبعاتها داخلياً في الولايات المتحدة، وإسرائيلياً لما هو عليه الواقع الإسرائيلي، وخليجياً لما هو عليه الواقع في الخليج وفي كل الإقليم، وذلك بالنظر إلى القدرات والأوراق المقابلة لهذه القوة الأميركية والإسرائيلية، والتي ستحول هذه الحرب إلى دمار لا يمكن ترميمه في الأسواق والبورصات، وفي أسعار الطاقة وأزمات التجارة الدولية، وفي التبعات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الحرب، وفيما يمكن أن يتم تدميره في الخليج والإقليم.
العنصر الثالث هو عنصر الزمن. وهذا العنصر بالذات هو من النوع القاتل في حالة هذه الحرب، إذ ليس لدى ترامب، ولا نتنياهو الوقت المطلوب والكافي لخوض غمار حرب جربت وفشلت، ومغامرة قد تتحول في أي لحظة إلى مقامرة طائشة قد تكون نتائجها انهيارات كاملة.
وكل ما تبقى للرئيس ترامب من هامش للمناورة هو التهديد بالحرب وليس الإقدام عليها، وكل ما يستطيع القيام به معارك محدودة مهما كان حجم وشدة هذه المعارك، كما حصل في معركة المضائق والممرات، وما يمكن أن يقدم عليه من قصف لمفاعل جديد، وأقصى ما سيقدم عليه هو إبقاء الحال على ما هو عليه، أي حالة اللاسلم واللاحرب، إذا تمكن من الصمود لعدة أسابيع قادمة فقط لا غير، وعليه حينها أن يعود، وليس أمامه سوى أن يعود للصفقة الإقليمية الشاملة.
من هنا، وعلى هذه القاعدة سنرى قصة المأساة والملهاة.
فعلت خيراً وأخيراً حركة «حماس» بقبولها في الدخول إلى آليات عملية للمرحلة الثانية بإعلانها عن الموافقة على تجميع السلاح، والعهدة به لجهة فلسطينية مقابل الوقف الشامل والتام للعمليات العسكرية الإسرائيلية. وربط تسليم هذا السلاح لهذه الجهة في شقّه الثقيل بالتزامن مع فتح المعابر، وخطط إعادة الإعمار، والانسحابات الإسرائيلية المجدولة من القطاع.
أُغلق الطريق على دولة الاحتلال إن قبلت وإن رفضت، وأُغلق الطريق على ترامب بعد أن قبل وأثنى وامتدح بأن يسير وراء رفض نتنياهو «عمياني» كما في كل مرة، وأُغلق الطريق على العرب بمن فيهم الوسطاء، وعلى أوروبا والأمم المتحدة؛ لأن «الذريعة» قد تم إلقاؤها إلى خارج ساحة التداول، وأصبح الأمر الآن برسم كل الأطراف إلا «حماس»، فقد أنقذت نفسها وانتشلت الوضع كله في «الدقيقة تسعين» مع أنه كان بإمكانها أن تفعل ذلك قبل شهور عدة، أو أسابيع على الأقل.
لكن جرح غزة غائر، مؤجل التعافي منه، وصعب ومكلف ومرهق الشفاء منه، وغزة في الطريق إلى النجاة لأن مخططات التهجير والإبادة ولّت إلى غير رجعة، وجنازة الأهداف الإسرائيلية بدأت مراسيمها على أنقاض الدمار في غزة.
أما في الضفة، فنحن نعيش علائم الملهاة بكل تفاصيلها، وهي ملهاة مرشحة للتحوّل إلى المأساة في قادم الأيام إذا لم يتم تدارك الأمور أو بعضها على الأقل.
وننتقل يوماً بعد يوم من حمى الانتخابات إلى فوضى الانتخابات، ومن ترتيبات القوائم إلى عبث الأسماء والمرشحين قبل أي محاولة، ولو مجرد محاولة لحوار جدّي على أي أسس برنامجية، وعلى إستراتيجيات وآليات حماية للوطن والبرنامج الوطني ولمقومات البقاء والصمود، ونتوه ونغرق يوماً بعد يوم في أزمات متتالية ومتسارعة تنال من عزيمتنا، ومن إرادتنا، ومن قدراتنا على أي حد من حدود مجابهة الخطط الإسرائيلية المعلنة، ووصول الموضوع إلى شل المجتمع الفلسطيني في وسائل عيشه الأساسية من ماء وكهرباء ومن حركة ومن خدمات تجارية ومصرفية، ومن قدرة على الحركة والتواصل والتنقل والانتقال.
وبين مأساة غزة وملهاة الضفة القابلة للتحول السريع إلى المأساة بعينها، تضيع من بين أيدينا الفرصة التاريخية التي وفرتها موضوعياً هزيمة وإخفاق المشروع الأميركي، ومعه كل الطموحات المباشرة للمشروع الصهيوني في الإقليم باستثناء الحالة الفلسطينية، حيث ما زال يأمل من خلال استثماره في هشاشتنا وضعف وحدتنا، وانعدام المسؤولية الوطنية للكثيرين من قياداتنا، بأن يخرج من هذه الحرب وقد غنم ولو بشيء يعتاش على التغني به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى